عين العقل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فى بلدة قديمة اشتغل رجل عند رجل ..
وليس فى هذا أدنى مؤاخذة ، فالذي يملك ساعدين قويين تنفتح له أبواب العمل ، وقد عاين صاحب العمل قوة طالب العمل ، واتفقا على الأجر ..
كان الأجر عشرين سباطة من سباط النخل عند طلوعه ، ويطلق عليه " البشائر "
اتفقا على هذا ، وكل رجل من الرجلين رضى تمام الرضا ، وبعدها صاح صاحب العمل :
- هيا يا رجل .. ابدأ العمل
باشر الأجير العمل ، فسقى الزرع ، وكنس البيت ، وجلب الماء ، وأنضج الطعام..
رأى صاحب العمل ما رأى ، واستحسن همة الأجير ، وأسر ذلك فى نفسه دون أن يبدى أى شكر أو امتنان .. حتى أنه ضحك ، وهو بمفرده قائلا : هذا الأجير لم يفهم أن السباط فى أول طلعه ليس بذات فائدة .. دعه يعمل .. وحين يأتى الوقت يكون الكلام ..
كان الأجير ينظر إلى النخيل كل يوم ، حتى شاهده فى أحد الأيام وقد أزهر ، فصاح : لقد حان قضاء الأجر ..
وفى ديوان صاحب النخيل حيث كان يجلس مسترخيا مبتسما ، رفع إليه مطلبه ، صمت صاحب النخيل برهة ثم قال :
- يا رجل اصبر حتى يكون الزهر بلحا ..
قلب الأجير كلام صاحب النخيل فى ذهنه ، ووجد أن هذا الكلام هو عين العقل ، واعتذر لأن فضيلة الصبر كانت عنه غائبة ، لوح صاحب النخيل والعمل بإهمال، وأشار إلى إليه أن يواصل عمله ..
فى يوم من الأيام تطلع إلى أعلى ، فصاح على الفور :
- لقد حان قضاء الأجر ..
لأنه رأى النخيل وقد حمل البلح الأخضر ..
ربت صاحب العمل على كتف الأجير قائلا : ها أنت تتسرع مرة أخرى .. اترك يا رجل هذا البلح الأخضر حتى ينضج ..
فكر الأجير لحظة ، ووجد أن هذا هو عين العقل ، فمضى سعيدا ، وقد ازدادت حماسته، وهو يؤدى كل الأعمال التى يكلفه بها صاحب العمل ، وقد اتسع حجم يقينه بأنه يعمل عند رجل يريد له مزيدا من الخير..
ومرت الأيام ، ونضج البلح ، فصار أحمر اللون ، جميل المنظر ، فدخل الأجير مسرعا على صاحب العمل والبلح فى ديوانه ، حيث كان يستريح قبل المغرب ..
أخذ صاحب العمل يهرش رأسه ، وكأنه يفكر ، ثم قال :
- هل تصمم على أخذ أجرك ؟
تودد الأجير ، وقال هامسا :
- وماذا يرى سيدى ؟
قال صاحب العمل : أرى ألا تصمم حتى يصير البلح رطبا جنيا ..
أجاب الأجير وقد كبرت قناعته بعظمة صاحب البلح : لن أصمم الآن على أخذ أجرى .. هذا عين العقل ..
كان صاحب العمل والنخيل يضحك ضحكا صاخبا حتى ظهرت نواجذه ، وهو بمفرده ، إذ عرف أن هذا العام قد قضيت فيه كل حاجاته دون أن يكلف خزانته درهما ، لأن الليل جاء ، وكان قد اتفق مع التجار على جني البلح ، وشدد فى الطلب دون ضجة أو بهرجة، ومن ثم حمل التجار كل حصاد العام ، ومضوا ..
أما الأجير الذي ظل يعمل مؤجلا موعد حصوله على أجره فقد كان نائما فى سبات عميق!!
فلما جاء الصباح استيقظ على صوت غاضب يصيح به : قم أيها الكسول .. قم أيها الكسول ..
ارتاع الأجير من أن يتهمه أحد بالكسل ، وهو على ما هو من نشاط ودأب .. لم يترك له صاحب النخيل والعمل وقتا ليفكر فى رد مناسب ، إذ صاح : اذهب خارج بيتى .. كيف تجرؤ على النوم فى بيوت الناس ؟!
- أنا أعمل عندك !!
- انتهى العمل هذا العام ، وعليك الخروج حالا ..
لملم الأجير حاجياته ، وحين استقام طالب بأجره ..
ضحك صاحب العمل والنخيل ، وهو يقول : اخرج وخذه ..
تحرك الأجير خارجا ، وهو فى ذهول من تغير معاملة صاحب العمل له ، ولكنه منى نفسه بوجود سباطات البلح الناضج فى الخارج .. ما عليه إلا أن يأخذها ويذهب فعلا .. هكذا كان الاتفاق ، ولا حق له فى أن يغضب ..
حينما تطلع إلى أعلى وجد النخيل أجرد بلا ثمار ، التفت إلى الخلف فوجد باب البيت مغلقا ، وصاحب النخيل غير موجود .. هز رأسه وهو يصيح : هذا هو عين العقل ..
مضى سريعا مبتعدا ، قبل أن يصير أضحوكة .. فلو كان صمم على أخذ حقه فى الوقت المناسب ما استطاع أحد أن يستغفله .. أليس هذا هو عين العقل حقيقة؟!









said:




said:


said:













من فلسطين