الكاتب
فى القص ليس ثمة قيود
قصة للأطفال تحكى لهم حتى يتعرفون على الشاطىء الثالث للنهر

عين العقل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فى بلدة قديمة اشتغل رجل عند رجل ..

وليس فى هذا أدنى مؤاخذة ، فالذي يملك ساعدين قويين تنفتح له أبواب العمل ، وقد عاين صاحب العمل قوة طالب العمل ، واتفقا على الأجر ..

كان الأجر عشرين سباطة من سباط النخل عند طلوعه ، ويطلق عليه " البشائر "

اتفقا على هذا ، وكل رجل من الرجلين رضى تمام الرضا ، وبعدها صاح صاحب العمل :

-      هيا يا رجل .. ابدأ العمل

باشر الأجير العمل ، فسقى الزرع ، وكنس البيت ، وجلب الماء ، وأنضج الطعام..

رأى صاحب العمل ما رأى ، واستحسن همة الأجير ، وأسر ذلك فى نفسه دون أن يبدى أى شكر أو امتنان .. حتى أنه ضحك ، وهو بمفرده قائلا : هذا الأجير لم يفهم أن السباط فى أول طلعه ليس بذات فائدة .. دعه يعمل .. وحين يأتى الوقت يكون الكلام ..

كان الأجير ينظر إلى النخيل كل يوم ، حتى شاهده فى أحد الأيام وقد أزهر ، فصاح : لقد حان قضاء الأجر ..

وفى ديوان صاحب النخيل حيث كان يجلس مسترخيا مبتسما ، رفع إليه مطلبه ، صمت صاحب النخيل برهة ثم قال :

-      يا رجل اصبر حتى يكون الزهر بلحا ..

قلب الأجير كلام صاحب النخيل فى ذهنه ، ووجد أن هذا الكلام هو عين العقل ، واعتذر لأن فضيلة الصبر كانت عنه غائبة ، لوح صاحب النخيل والعمل بإهمال، وأشار إلى إليه أن يواصل عمله ..

فى يوم من الأيام تطلع إلى أعلى ، فصاح على الفور :

-      لقد حان قضاء الأجر ..

لأنه رأى النخيل وقد حمل البلح الأخضر ..

ربت صاحب العمل على كتف الأجير قائلا : ها أنت تتسرع مرة أخرى .. اترك يا رجل هذا البلح الأخضر حتى ينضج ..

فكر الأجير لحظة ، ووجد أن هذا هو عين العقل ، فمضى سعيدا ، وقد ازدادت حماسته، وهو يؤدى كل الأعمال التى يكلفه بها صاحب العمل ، وقد اتسع حجم يقينه بأنه يعمل عند رجل يريد له مزيدا من الخير..

ومرت الأيام ، ونضج البلح ، فصار أحمر اللون ، جميل المنظر ، فدخل الأجير مسرعا على صاحب العمل والبلح فى ديوانه ، حيث كان يستريح قبل المغرب ..

أخذ صاحب العمل يهرش رأسه ، وكأنه يفكر ، ثم قال :

-      هل تصمم على أخذ أجرك ؟

تودد الأجير ، وقال هامسا :

-      وماذا يرى سيدى ؟

قال صاحب العمل : أرى ألا تصمم حتى يصير البلح رطبا جنيا ..

أجاب الأجير وقد كبرت قناعته بعظمة صاحب البلح : لن أصمم الآن على أخذ أجرى .. هذا عين العقل ..

كان صاحب العمل والنخيل يضحك ضحكا صاخبا حتى ظهرت نواجذه ، وهو بمفرده ، إذ عرف أن هذا العام قد قضيت فيه كل حاجاته دون أن يكلف خزانته درهما ، لأن الليل جاء ، وكان قد اتفق مع التجار على جني البلح ، وشدد فى الطلب دون ضجة أو بهرجة، ومن ثم حمل التجار كل حصاد العام ، ومضوا ..

أما الأجير الذي ظل يعمل مؤجلا موعد حصوله على أجره فقد كان نائما فى سبات عميق!!

فلما جاء الصباح استيقظ على صوت غاضب يصيح به : قم أيها الكسول .. قم أيها الكسول ..

ارتاع الأجير من أن يتهمه أحد بالكسل ، وهو على ما هو من نشاط ودأب .. لم يترك له صاحب النخيل والعمل وقتا ليفكر فى رد مناسب ، إذ صاح : اذهب خارج بيتى .. كيف تجرؤ على النوم فى بيوت الناس ؟!

-      أنا أعمل عندك !!

-      انتهى العمل هذا العام ، وعليك الخروج حالا ..

لملم الأجير حاجياته ، وحين استقام طالب بأجره ..

ضحك صاحب العمل والنخيل ، وهو يقول : اخرج وخذه ..

تحرك الأجير خارجا ، وهو فى ذهول من تغير معاملة صاحب العمل له ، ولكنه منى نفسه بوجود سباطات البلح الناضج فى الخارج .. ما عليه إلا أن يأخذها ويذهب فعلا .. هكذا كان الاتفاق ، ولا حق له فى أن يغضب ..

حينما تطلع إلى أعلى وجد النخيل أجرد بلا ثمار ، التفت إلى الخلف فوجد باب البيت مغلقا ، وصاحب النخيل غير موجود .. هز رأسه وهو يصيح : هذا هو عين العقل ..

مضى سريعا مبتعدا ، قبل أن يصير أضحوكة .. فلو كان صمم على أخذ حقه فى الوقت المناسب ما استطاع أحد أن يستغفله .. أليس هذا هو عين العقل حقيقة؟!

 


من أين ؟ ولماذا ؟!



أضف تعليقا

اضيف في 18 سبتمبر, 2008 09:51 م , من قبل mesterhewar
من فلسطين said:


ذكرتني اخي محسن بالمثل

"غلب بستيرة ولا غلب بفضيحة"

وهذا هو بعض من حال الطبقة العاملة

عضلات بدون عقل موجه..ونقابات صورية

واتحاد شغيلة للمناسبات ...

دمت حاملا لنبض هذه الفئة من الشعب

مستر حوار

وكل عام وانت بخير



اضيف في 18 سبتمبر, 2008 11:31 م , من قبل alshrawy
من مصر said:

اخى الحبيب
أ . محسن
×××
جئت على عجاله ولم استطع ان امضى دون الارتواء من نهر حديثك العذب المفيد
مبدعا ببساطه سلسا بحديث للروح والقلب يسرى دمت وكنت كما تحب ورمضان كريم
×××
الفقير لله
ع العجوز

اضيف في 19 سبتمبر, 2008 09:15 م , من قبل amany315
من مصر said:

الأخ الكريم الأستاذ محسن يونس
و الله حزنت جدا عندما قرأت هذه القصة ، خاصة أنه لا يوجد شاطيء ثالث للنهر ، و من الأفضل للصغار ألا يأتوا لهذا العالم البغيض ، ليكونوا ضحايا لصاحب المزرعة و أشباهه.
تحياتي .

اضيف في 19 سبتمبر, 2008 09:45 م , من قبل angelsam2020
من مصر said:

الشاطئ الثالث !!
وهل هناك شاطئ ثالث ؟؟!!!
طبعا عبقري وتثبت لنا ذلك كل مرة تكتب فيها
تحياتي لك وساحرص اذا ما تقدمت في العمر واصبح عندي اطفال ان اقرأ عليهم قصصك الرائعة ..
صديقك دائما
ســـام

اضيف في 20 سبتمبر, 2008 04:12 ص , من قبل hourianile
من مصر said:

أيها المبدع قصه جميله وسرد ممتع فهذه الفئات موجوده فى مجتمعنا وبكثره
بستمتع فعلا بمواضيعك
تحياتى لك
حوريه النيل

اضيف في 20 سبتمبر, 2008 06:40 ص , من قبل amoo2005
من فلسطين said:

خي محسن يونس

قصتك تصلح للكبار وخاصة من العمال

فالكثير منهم يقع ضحية لمماطلة أرباب العمال ووعدتاتهم الكاذبة

الله يديم هالقلم ومن تألق لتألق أخي

تحياتي

أبو وديع

اضيف في 21 سبتمبر, 2008 11:45 م , من قبل safahodawoud
من مصر said:

حكمتك بالغة الاهمية نتعلم منها التصميم على أخذ الحق فى الوقت المناسب
وهذه الحكمة هى عين العقل
ولكن نجد من يجيد فن المراوغة والاقناع والتفنن فى الايقاع بالبشر

وايضا نتعلم منها الا نبنى امالنا واحلامنا على اشياء ليست باايدينا
فى زماننا العجيب لم تعد الكلمة هى ميثاق الشرف فى التعامل بين الناس
حتى العقود المبرمة بين الافراد احيانا لا يكون لها قيمة عندما يستغل البعض الثغرات الموجودة فى بنود العقود تحياتى اليك استاذى المبدع الذى تركنا له فلذات اكبادنا امانة بين يديه يرتوى كل طفل منهم من نبع العلم والمعرفة ومختلف الفنون بحكمة العظيمة والمفيدة
اشكرك على هذه الحكم البالغة التى تعلمنا نحن الكبار الكثير قبل الصغار
رمضان كريم

اضيف في 26 سبتمبر, 2008 04:57 ص , من قبل bntalnoor2008
من اليمن said:

السلام عليكم ورحمة الله
سيدي الفاضل
أحييك وأهنيك على كتاباتك القيمة
والتي نستمد منها العبرة والحكمة والفائدة
واعتقد ان مواعيد صاحب العمل كمواعيد عرقوب بل هو عرقوب نفسه والذي جاء ذكره بالامثال
ولكن هل للنهر شاطئ ثالث ؟
تحياتي
لارا

اضيف في 30 سبتمبر, 2008 04:59 ص , من قبل souadsaleh said:

أخي الفاضل ذو القلم الحر
السلام عليكم و رحمة الله

هانحن نستقبل العيد السعيد عيد الفطر المبارك... وبهذه المناسبة المباركة.. يسرني ويسعدني ان أتقدم لك بأسمى آيات التهاني أعاده الله علينا وعليكم وعلى الأمة العربية والإسلامية بالخير والبركة

أختك سعاد



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية