- أنا الشمس .. ومن أنت ؟
- أنا البرعم .. ها هنا بيتى ..
- ولماذا أنت صغير ؟ هيا .. كن كبيرا ..
كانت الشمس ترسل الآن نحو البرعم تلك الأشعة الحانية ، مسحت بها على رأسه ..
كان البرعم يكبر ..
صار البرعم شجرة ..
كانت الشجرة تمد فروعا فى كل اتجاه ، والفروع تنبت لها أوراق ، فكان لها ظل كبير ..
جاءت العصافير ، تبنى أعشاشها بين الفروع .. فرحت الشجرة ، وهى تستمع للعصافير تقول : هنا وطنى .. هنا وطنى ؟
تمايلت الشجرة مع غناء العصافير مستمتعة ، وهى تقول : حينما كنت بذرة قلت قولا قريبا من هذا .. هنا بيتى .. البيت هو الوطن .. نعم .. نعم ..
حين مر الحطاب يوما ، رأى الشجرة ، وعاين جذعها ، صاح : هذه شجرة طيبة الجذع .. سوف أجتث هذا الجذع فى الغد ..
لم تفكر العصافير بعد سماعها قول الحطاب ، لم تفكر فى قولها إن هنا وطنى ، يل كانت صورة الحطاب وهو يحمل فأسه هى التى تمتلىء به أدمغتها ، لذا هجمت على أعشاشها تحمل حاجاتها من بيض ، وطعام لتهاجر بعيدا ..
ارتفعت أصوات العصافير فى فوضى عارمة ، و تاهت الصغار عن آبائها وأمهاتها ..
كان يحدث كل هذا والشجرة واقفة فى مكانها ، لم تفعل أى شىء ، كانت العصافير تنظر إليها فى حيرة ودهشة : هيا يا شجرة .. هيا اهربى ..
- ومم أهرب ؟!
- عجبا لك .. الحطاب سيأتى غدا !!
- دعوه يأتى ..
- ماذا تقولين ؟! سيقطع جذعك .. ألم تسمعينه ؟!
- سمعته .. ولكن أين تذهبون ؟
اضطربت العصافير ، فهى لم تفكر فى سؤال نفسها وسط خوفها ، قالت : لا نعرف .. لا نعرف ..
تساءلت الشجرة : وهل يترك أحد وطنه ؟!
خفتت أصوات العصافير لحظة ، ثم قالت : سوف يقطع الحطاب جذعك ، ولن تكون لك فروع أو أوراق .. حاولى أن تفهمى حجم المصيبة ..
صاحت الشجرة : حاولوا أنتم أن تفهموا .. سيقطع الحطاب جذعى وفروعى وأوراقى ، ولكن جذورى فى عمق الأرض ..
لم تستمع العصافير لقول الشجرة ، ولم تفكر فى معناه جيدا ..
ركبت العصافير ظهر الرياح ، وهاجرت بعيدا عن الشجرة ..
عاد الحطاب فى الغد ، واجتث جذع الشجرة بضربتين قويتن من فأسه .. ارتمى الجذع على الأرض جثة هامدة ، ورأت الشمس ما حدث لصديقتها الشجرة ، قالت : صديقتى تحتاجنى الآن .. أرسلت الشمس أشعتها متسللة بين مسام التربة ، فأخذت الجذور فى باطن الأرض تعمل بجد وهمة ..
بعد أيام خرجت على سطح الأرض عشرة براعم خضراء ابتسمت للشمس ، والشمس ابتسمت لها ..
رجع الحطاب بعد شهور ، وجد مكان الشجرة التى اجتثها عشر شجرات وارفة، فانتقى جذعا منها ، وقام بقطعه .. أما جذور هذه الشجرة فأنبتت عشر شجرات أخرى .. رجع الحطاب بعد عدة أشهر ، وقطع جذع واحدة من هذه الأشجار الأخيرة ، فانبثق من الأرض شجر كثير التفت أغصانه وتشابكت ، عندما جاء الحطاب كانت المفاجأة ، لم يستطع الدخول بين الجذوع المتحاضنة ، كانت أمامه غابة من الأشجار ارتفعت سدا منيعا فى وجهه .










said:












من فلسطين