الكاتب
فى القص ليس ثمة قيود
قصة مهداة إلى د : محسن الصفار ليقرأها على ابنته العزيزة كما وعد من قبل
                                            الفصيــح
ظهر فى أحد أجيال الفئران فأر يملك لسانا يعرف سر الكلمات ، وسحرها ..

وكان الفأر أعلم بمضغ فيه ، فحين يقف فى جمع الفئران ويتكلم ، يدير الرؤوس، وتلفها نشوة ، وتحلق أدمغتها فى خيال شائق وممتع ..

كل فأر يتمثل نفسه أسدا ، وقد كانوا يعرفون ما هو الأسد فهنا واحد يسكن بجوارهم ، ولكنهم لم يتعاملوا معه من قبل ، فأى علاقة يمكن أن تكون بين أسد وفأر ؟!

صاحت الفئران ، والفأر يخطب فيهم : أنت خطيبنا .. أنت اللبيب بيننا .. أنت حكيمنا ..

كانت الأمور يمكن لها أن تتوقف عند هذا الحد .. لسان فصيح يقابله إعجاب وتقدير ، ولكن الفأر المتكلم رأى روعة الاستقبال فى المحافل ، تودعه الأكف بالتصفيق المتواصل ، والمطالبة لا تهدأ باستعادته ليتكلم ..

صار كل فأر يفخر بنفسه ويختال ..

فى إحدى المرات أخذت الحماسة الفأر إلى السماء حيث النجوم تتلألأ ، فكأنه استطال حتى أمسك بها .. صرخ الفأر : لسنا مثل النعامة لاطير ، ولا جمل ..

وانزلقت رجله أكثر وهو يصيح : إن البغاث ( 1 ) بأرضنا يستنسر ( 2 )

وانزلق الفأر أكثر إلى مهاو لا جدران لها ولا منفذ حين قال : الأسود ضئيلة الشأن بجانب الفئران النبيلة الأصل ..

هاجت الفئران وألهب التصفيق أكفها ، وقامت مجموعة منها تهتف بسقوط الأسود ، ثم أنهت هتافها بهذا القول : إن كان الأسد ريحا ، فقد لاقى إعصارا ..

عاشت الفئران .. عاشت الفئران .. عاشت .. عاشت ..

أشار الفأر بيديه لتهدأ الفئران ، ثم أكسب صوته نبرة ذات دلالة وخطر ، وقال : الفئران أسود حقيقية .

وحتى يقنع الفئران بهذا القول أردف يقول : الأسود لها شوارب ونحن لنا شوارب .. الأسود لها أسنان ، ونحن لنا .. الأسود تأكل اللحم ونحن نأكله.. الأسود لها ذيل ، ونحن لنا ذيول ..

تأمل الفأر لحظة عيون الفئران ، فوجد الدهشة تسكن فيها ، فقال بسرعة : صحيح أن الأسود كبيرة الحجم ، ونحن صغار الحجم .. هذا لا يهم ..

أجابته الفئران : صحيح .. وماذا تقول فى هذا ؟!

قال الفأر : إن المثل السائر يقول " يضع سره فى أضعف خلقه " ونحن نملك سر القوة .. نحن أذكى من الأسد ..

عند هذا كانت الفئران قد وصلت إلى قمة الإثارة ، فصرخت طالبة بإعادة الأمور إلى نصابها الصحيح ، واتخذت القرار النهائى حين قالت : لابد من إخضاع الأسد.. سنقبض على الأسد ، ليعمل فى خدمة الفئران ..

كونت الفئران جيشا وافر الجنود ، وانطلقت إلى عرين الأسد ، وكان الفأر المتكلم يتقدم هذا الجيش ، يخطب الخطب الحماسية ، والجميع منجذب إليه ، لا يرى إلا خطيبه المفوه ..

وصلت الفئران إلى قرب عرين الأسد ، واصطفوا إيذانا بالهجوم ..

اندهش الأسد من هذا الضجيج المزعج ، وخرج يستطلع أسبابه ، فلما شاهد الفئران تعجب من هذا الفأر الذى يقودها ، ويبح صوته ، ويتكلم كلاما غيرلائق عنه ..

ضرب الأسد الأرض ، وتصاعد التراب ، وفغر فاه ، فلمعت أنيابه الهائلة ، وفجأة دوى شىء ما ورعد ، كأن آلاف الأحجار تدحرجت من أعلى جبل .. كان الأسد يزأر ..

وفى اندفاع المذعورين تقهقرت الفئران وتراجعت ، وفى تراجعها الخائف داست على الفأر الخطيب ، فسكت عن الكلام نهائيا ، وعرفت الفئران أن الكلام سهل ، أما القدرة على الفعل فشىء آخر ..

.........................................................

( 1 ) البغاث : الطيور الصغيرة التى لا تصيد كالعصافير وغيرها.

( 2 ) يستنسر : يصير نسرا .

 

 

 

 



أضف تعليقا

اضيف في 23 يونيو, 2008 07:59 ص , من قبل msaffar said:

اخي العزيز محسن
لايسعك ان تتصور مدى تاثري بقصتك انا شخصياوحتى قبل ان اقراها لابنتي التي يحتاج الزمن سنينا كي يجعلها تدرك جمال هذه الكلمات فوالله اني ساطبعها وابروزها واعلقها في مكتبي والله على ما اقول شهيد.
لم اقرا اروع من كلماتك هذه .
قد يحسب المرء اننا اصحبنا في عالم ضاعت فيه النخوة ولكن كلماتك اثبتت لي خطئي وكم سعيد انا لاني مخطئ
تحياتي واحتراماتي وتحيات ابنتي تارا
اخوك محسن الصفار

اضيف في 23 يونيو, 2008 08:33 ص , من قبل bntalnoor2008
من اليمن said:

السلام عليكم ورحمة الله

الاسود سيدي لها مهابة حتى وهي صامته

فمابالك عندما تزأر.

والفأر مقرف بطبعه لذا يداس في النهاية

لأنه فأر ولأنه مقرف ونحن بأمس الحاجه لمن

يدوس هذا الفأر

لارا

اضيف في 23 يونيو, 2008 08:40 ص , من قبل shecho
من مصر said:

الكاتب والاديب الراقي
محسن يونس
جئت هنا بدعوة
من صديقي الدكتور
محسن الصفار
وعندما قرأت قصتك الجميلة
ذات المعاني والدلائل الكثيرة
سعدت حقا بمروري
وتمنياتي قبولي صديقا
لشخصكم الكريم
حقا صديقي ان الكلام
لايباع ولا يشترى
وليس عليه جمرك
فكل من هب ودب يتكلم
وياليته يتكلم بأدب
ولكن خياله المريض
يصور له انه
ياما هنا وياما هناك
وهو اقل من الفأر في كل شيء
حتى الذكاء يفتقر له
وهناك الكثير ممن يتشدقون بالكلمات
سعدت كثيرا بمروري
تقبله وتقبل كلماتي
اتمنى زيارتك لمدونتي المتواضعة
شكرا لك
وشكرا لصديقي الرائع
محسن الصفار
على هذه الهدية القيمة
التي اهداني اياها
بمروري هنا
صباحك سكر سيدي
تحياتي
اشرف غريب

اضيف في 23 يونيو, 2008 12:49 م , من قبل mohsenyonis
من مصر said:

د: محسن ( أبو تارا العزيزة )
لك كل محبة واعتزاز فالتواصل مع واحد فى مثل علمك وأخلاقك أخلاق الفارس الحقيقى هو العزة والفخر .. لقد تأثرت بكلماتك الصادقة النابعة من قلبك ، وغمرنى الامتنان لدعوتك أصدقاء جيران لقراءة القصة المهداة إليكم ، كم تأثرت بفعلك النبيل هذا ، وتأكدت من أننى أتعامل مع رجل شريف ، سعدت بقبوله صداقتى ..
تقديرى واحترامى الكاملين لشخصكم النبيل

اضيف في 23 يونيو, 2008 01:30 م , من قبل mohsenyonis
من مصر said:

لارا تحياتى لك ولليمن العزيز الغالى
فعلا كلماتك صحيحة ، فهيا جميعا ندوس هذا الفأر لتكون حياتنا لها معنى لأنها عندئذ سوف تكون حياة أفعال لا أقوال ..
شكرا لك
تقديرى واحترامى لشخصكم النبيل المرحب به دائما على صفحتى ..

اضيف في 23 يونيو, 2008 02:06 م , من قبل mohsenyonis
من مصر said:

الباشا شيكو ( أشرف غريب ) هنا ؟
يا مرحبا يا مرحبا ..
سعيد بأنوارك وحضورك هنا فى صفحتى فقد جعل صباحى سكر بالفعل لأنك أحلى وأجل ..
المعانى التى سقتها فى تعليقك أنارت النص ووضعت المعنى والرؤية واضحة تماما أمام أى قارىء
شكرا لك وللدكتور محسن الصفار على تقديمه لك كصديق عزيز مرحب به دائما هنا ..
تقديرى واحترامى لصداقتك الدائمة إن شاء الله أيها النبيل

اضيف في 23 يونيو, 2008 08:57 م , من قبل shalwatani
من البحرين said:

الأخ الفاضل محسن
أشكرك على زيارة مدونتي وقبول الدعوة
أما بالنسبة للقصة فهي مفيدة وذات مغزى
وأظن أن ابني استوعبها حين قرأها

تحياتي

شيماء

اضيف في 23 يونيو, 2008 09:28 م , من قبل mesterhewar
من فلسطين said:

الجار الطيب محسن

لقد هزمت الفئران في قصتك

ولكني اراها منتصرة وما زالت تقودنا

انتظر الاسد الذي يقضي عليها

ولا انتظر قطيع الفئران الذي ينتصر

على الاسد

تحياتي لك وللدكتور ..سعيد بمروري

مستر حوار

اضيف في 23 يونيو, 2008 10:43 م , من قبل wahatelhayran
من مصر said:

اخى محسن
..
هههههههههه ، قصه كتير حلوه وبها حكم كتيره بس اللى يفهم واللى يتعظ
..
سعدت جدا بالمرور واستمتعت بالحكى
..
اختك
ريم

اضيف في 24 يونيو, 2008 03:18 م , من قبل mohsenyonis
من مصر said:

جارتى العزيزة شيماء
تحياتى
شاكر لك ولابنك الغالى قراءتكم للقصة وإعجابكما بها ..

اضيف في 24 يونيو, 2008 03:22 م , من قبل mohsenyonis
من مصر said:

مستر حوار
تحياتى وأهلا بك ..
أنا معك أن الفئران قد اشتد عودها ، ولكن الأسود موجودة أيضا ، والفأر فأر والأسد أسد ولا تغيير لطبيعة كل منهما مهما كانت المعطيات .. متعت بالقوة والرؤية الصائبى دوما ..

اضيف في 24 يونيو, 2008 03:24 م , من قبل mohsenyonis
من مصر said:

أختى الغالية : ريم
تحياتى
أسمع ضحكتك ، وأعقبها بشكرك لأن القصة أعجبتك ، وقضيت معها وقتا أفرحك ..
دمت بكل خير

اضيف في 25 يونيو, 2008 07:25 ص , من قبل atlastv said:

الاستاذ محسن يونس
قصة جميلة ومهداة الى انسان رائع وكبير فكلنا شاهدنا كيف التزم الصمت وتعامل باحتقار مع الفار الذي تجرا وشتمه
تمنياتي لك بدوام الابداع
سعيد احمد

اضيف في 26 يونيو, 2008 06:43 ص , من قبل mohsenyonis
من مصر said:

لا شك يا صديقى الدكتور الصفار قيمة إعلامية كبيرة نكن له كل ود واحترام وتقدير ..
سعيد بمرورك الكريم ..



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية