وكان الفأر أعلم بمضغ فيه ، فحين يقف فى جمع الفئران ويتكلم ، يدير الرؤوس، وتلفها نشوة ، وتحلق أدمغتها فى خيال شائق وممتع ..
كل فأر يتمثل نفسه أسدا ، وقد كانوا يعرفون ما هو الأسد فهنا واحد يسكن بجوارهم ، ولكنهم لم يتعاملوا معه من قبل ، فأى علاقة يمكن أن تكون بين أسد وفأر ؟!
صاحت الفئران ، والفأر يخطب فيهم : أنت خطيبنا .. أنت اللبيب بيننا .. أنت حكيمنا ..
كانت الأمور يمكن لها أن تتوقف عند هذا الحد .. لسان فصيح يقابله إعجاب وتقدير ، ولكن الفأر المتكلم رأى روعة الاستقبال فى المحافل ، تودعه الأكف بالتصفيق المتواصل ، والمطالبة لا تهدأ باستعادته ليتكلم ..
صار كل فأر يفخر بنفسه ويختال ..
فى إحدى المرات أخذت الحماسة الفأر إلى السماء حيث النجوم تتلألأ ، فكأنه استطال حتى أمسك بها .. صرخ الفأر : لسنا مثل النعامة لاطير ، ولا جمل ..
وانزلقت رجله أكثر وهو يصيح : إن البغاث ( 1 ) بأرضنا يستنسر ( 2 )
وانزلق الفأر أكثر إلى مهاو لا جدران لها ولا منفذ حين قال : الأسود ضئيلة الشأن بجانب الفئران النبيلة الأصل ..
هاجت الفئران وألهب التصفيق أكفها ، وقامت مجموعة منها تهتف بسقوط الأسود ، ثم أنهت هتافها بهذا القول : إن كان الأسد ريحا ، فقد لاقى إعصارا ..
عاشت الفئران .. عاشت الفئران .. عاشت .. عاشت ..
أشار الفأر بيديه لتهدأ الفئران ، ثم أكسب صوته نبرة ذات دلالة وخطر ، وقال : الفئران أسود حقيقية .
وحتى يقنع الفئران بهذا القول أردف يقول : الأسود لها شوارب ونحن لنا شوارب .. الأسود لها أسنان ، ونحن لنا .. الأسود تأكل اللحم ونحن نأكله.. الأسود لها ذيل ، ونحن لنا ذيول ..
تأمل الفأر لحظة عيون الفئران ، فوجد الدهشة تسكن فيها ، فقال بسرعة : صحيح أن الأسود كبيرة الحجم ، ونحن صغار الحجم .. هذا لا يهم ..
أجابته الفئران : صحيح .. وماذا تقول فى هذا ؟!
قال الفأر : إن المثل السائر يقول " يضع سره فى أضعف خلقه " ونحن نملك سر القوة .. نحن أذكى من الأسد ..
عند هذا كانت الفئران قد وصلت إلى قمة الإثارة ، فصرخت طالبة بإعادة الأمور إلى نصابها الصحيح ، واتخذت القرار النهائى حين قالت : لابد من إخضاع الأسد.. سنقبض على الأسد ، ليعمل فى خدمة الفئران ..
كونت الفئران جيشا وافر الجنود ، وانطلقت إلى عرين الأسد ، وكان الفأر المتكلم يتقدم هذا الجيش ، يخطب الخطب الحماسية ، والجميع منجذب إليه ، لا يرى إلا خطيبه المفوه ..
وصلت الفئران إلى قرب عرين الأسد ، واصطفوا إيذانا بالهجوم ..
اندهش الأسد من هذا الضجيج المزعج ، وخرج يستطلع أسبابه ، فلما شاهد الفئران تعجب من هذا الفأر الذى يقودها ، ويبح صوته ، ويتكلم كلاما غيرلائق عنه ..
ضرب الأسد الأرض ، وتصاعد التراب ، وفغر فاه ، فلمعت أنيابه الهائلة ، وفجأة دوى شىء ما ورعد ، كأن آلاف الأحجار تدحرجت من أعلى جبل .. كان الأسد يزأر ..
وفى اندفاع المذعورين تقهقرت الفئران وتراجعت ، وفى تراجعها الخائف داست على الفأر الخطيب ، فسكت عن الكلام نهائيا ، وعرفت الفئران أن الكلام سهل ، أما القدرة على الفعل فشىء آخر ..
.........................................................
( 1 ) البغاث : الطيور الصغيرة التى لا تصيد كالعصافير وغيرها.
( 2 ) يستنسر : يصير نسرا .







said:

said:


said:

said:














اخي العزيز محسن
لايسعك ان تتصور مدى تاثري بقصتك انا شخصياوحتى قبل ان اقراها لابنتي التي يحتاج الزمن سنينا كي يجعلها تدرك جمال هذه الكلمات فوالله اني ساطبعها وابروزها واعلقها في مكتبي والله على ما اقول شهيد.
لم اقرا اروع من كلماتك هذه .
قد يحسب المرء اننا اصحبنا في عالم ضاعت فيه النخوة ولكن كلماتك اثبتت لي خطئي وكم سعيد انا لاني مخطئ
تحياتي واحتراماتي وتحيات ابنتي تارا
اخوك محسن الصفار