حينما تم القبض على الفأر ، صاح كبير البوم بصوت جهير :
- رحبوا بصديقنا .. أعطوه الطعام الوفير ، والمسكن المريح ..
ثم همس بصوت خفيض لاثنين من أتباعه البوم ، وأمرهما أن يراقبا الفأر ، فلا يغيب عن بصرهما لحظة من ليل أو نهار .
نفذ البوم أوامر كبيرهم ، فضربت الحراسة المشددة حول الفأر فى خفية ، ودون أن يشعر ، ورغم العداء القديم ، والمتأصل بين البوم والفئران ، إلا أن الفأر استكان ، وخضع تماما ، وأثنى على الذين أبقوا على حياته ، وقدموا له الطعام فى مواعيده دون تأخير أو تقتير،فإذا جاء المساء تحلق البوم الفأر ، ومع أن رائحتهم تسبب له حساسية ، واحتقان أنفه ، إلا أن الفأر كان يجلس منصتا ، وهو يعجب من كم القصص التى يعرفها البوم ، كل يقص بدوره ، فإذا جاء دوره ليقص قصة ، اعتذر،لأنه لا يجيد هذا الفن ، وكان كبير البوم ينظر إليه فى عتاب قائلا :
- وهل لا يعرف الفأر قصة واحدة ؟!
وقبل أن يواصل الفأر تقديم اعتذاره مرة أخرى ، يندفع البوم صائحا :
- لابد أنه يعرف قصصا كثيرة ، ولكنه يضن بها علينا نحن البوم !
عند هذا يحد الفأر نفسه فى موقف المتهم بالتعالى على من حماه ، وأمنه ، فيرفع يديه مستجيرا من الفهم الخاطىء : أنا لا أعرف .. أنا لا أعرف
ولكن البوم لا يترك له فرصة للدفاع عن نفسه ، لأنهم جمعهم يقوم منصرفا ، تاركا حارسين عبوسين أخرسين ، لا يدعانه ينفرد بنفسه أبدا .
كان الفأر يمتلئ قلبه خوفا ، كلما تذكر أنه بين البوم أعداء الفئران ، وكان يخلد للنوم فورا لكى يهرب من سيطرة هذا الرعب .
كان البوم يخطط لشىء ما ، وكان على الفأر أن يفهم أنه بين أعداء جنسه ، فلا يركن لظاهر الأشياء ، أو يستنيم للأمانى التى جعلته يقول لنفسه : " ربما نسى البوم طبع الاعتداء .. ربما يعرض على أن أكون رسول سلام .. إنى أنتظر .. "
كان هذا إذن هو تفكير الفأر ..
وها هو يجلس على يمين كبير البوم ، وبجانب مقعد ملكه ، مستمعا إلى الأقاصيص ، وحينما جاء دوره مثل كل يوم تنحنح ، لأنه كان قد استعد لقول شىء ما ، وحدجه البوم بانتباه شديد ، قال الفأر :
- سأقص قصة ..
- وهل تعرف ؟!
قال الفأر : سأحاول .. سأحكى عن شىء أعرفه ..
قال البوم : احك .. احك .. كلنا آذان صاغية ..
قال الفأر : نحن الفئران نسكن الجحور فلا يرانا البوم ..
قال البوم : هكذا ؟! .. أنتم أذكياء .. ولكن ... متى تخرجون للبحث عن الطعام؟
قال الفأر : مرة قبل غروب الشمس ، ومرة بعد شروقها ..
قال البوم : ولماذا كل هذا التعب ؟!
قال الفأر : لأننا نعرف أن البوم ينام بالنهار ، ويستيقظ بالليل خارجا للصيد ..
قال البوم : ولكن أمامكم النهار كله .. ؟!
قال الفأر : لنا أعداء غير البوم .. أنا آسف .. الثعابين تسعى لمهاجمة الفئران بالنهار ..
عند انتهاء الفأر من كلماته السابقة وقع فى دهشة ، واضطراب كبيرين ، وهو يرى نفسه وحيدا فجأة ، فقد انصرف البوم قبل أن ينتهي من قصته ..
لاحظ الفأر أن البوم قد بكر فى الاستيقاظ ، والشمس ما زالت حمراء فى الأفق، وهذه ليست عادته ، ثم وقف كله فى طوابير صائحة صيحات الحرب ، وسمع بأذنيه كبيرهم ، وهو يقول :
- لا تتركوا فأرا واحدا .. الآن أنتم تعرفون كل شىء عنهم ، هذا الأحمق الذى أسرناه باح بأسرارهم دون أن يشعر ..
تضاحك البوم عند هذه الملاحظة الخاصة بالفأر،وصاح صيحة واحدة :
- سمعا وطاعة يا كبيرنا ..
صرخ كبير البوم :
- انطلقوا .. اهجموا ..
كانت الحرب المعلنة حرب إبادة .
برزت عينا الفأر هلعا ، واقشعر بدنه ، وأخذ يقرض أسنانه بأسنانه،









said:


said:













من مصر