الكاتب
فى القص ليس ثمة قيود
مهداة إلى المبدع : يسرى أبو الخير

موت الجياد

 

هذا يوم السوق ، والحمار مستعد ، وملجم ، ونشيط ، والرجل هائج منذ الفلق . المرأة تستجير بالمغيث ، تجرى وتتعثر ، تلتفت ، وتستقيم .. قالت : طيب .. طيب .. والرجل كأنه ثور لحقته سكين حشت زوره ، تندفع أصوات منه ، شعر المرأة منها يشيب ، وحتى تسكته أخذته فى حضنها ، وأعانته ، ليلبس جلبابه النظيف ، كبست بعد ذلك طاقيته فى رأسه ، ثم المرأة هفت الهواء ، وشفتيها زمت .. الرجل زام ، فهبت ، ونادت شابيها الاثنين يجيئا إليها .. واحد قال : مفلوج .. وأمه حطت على فمه راحة يدها ، وعيونها التى زغرت له بها فى الحال انكسرت ، أشارت إلى رجلها ، حمل الشابان أباهما ، وخرجا به ، وعلى الحمار أركباه ، تدلت يد منه ، لا حياة فيها ، وساق من ساقيه مثلها ، وجانب من وجهه ميت ، شاب من الاثنين قال : فضيحة السوق ! شقت الهواء عصا الرجل ، وصفرت ، والشاب لم يستطع أن يفلت ، صرخ ، سال نقطة على الصدغ، ثم نقطتان ، ثم صار خط من الدم ، الأم المرأة جذبت شابها ، وأعطت لرجلها اللجام ، أمسكه بيده الحية ، ولكز الحمار برجله الحية، وانطلق ، رفعت المرأة خلفه وجهها ، قالت : يارب الستر .. الستر مطلوبى .. شاب من شابيها قال : أضحك وأقول يا خرابي ؟! المرأة تنهدت ، قالت : الطبع من زمان .. وربتت على كتفي الشابين ، وأمرت أن يلحقا به .. المراقبة من بعيد .. بعيد .. حس لا حس .. قالت : طبعه .. اتركوه .. لو صرخت واحدة ، لو أمسكه واحد .. ساعدوه ..

في الخنقة التى تنفتح على السوق شد اللجام ، وتوقف الحمار ، جاس الرجل بعينيه فى الزحام والناس ، وقفز القلب ، فالنسوة النسوة يزحمن السوق .. وبعضهن ينحنين على الأشياء ينتقين ، أرخى الرجل اللجام، فصار الحمار بينهن، القدم الحية تلامس مؤخرة ، عجيزة ، جانب ردف ، تلامس .. هذا لحم حى وطرى، تلامس مسا .. هذا لحم عفي و جامد ، والحمار سائر .. هذا لحم رجل مثله .. ما رغبه ، واللمسة جاءت هباء ، فهو قصد واحدة انفلتت ، وجاء الرجل مكانها فى ذات اللحظة ، الرجل أخذه الغيظ فاغتاظ ، وتنبه آخر ، وكلمه : أبا الشباب فى السوق اليوم .. تلفت بعض الرجال ورأوه .. ربما أطلق واحد منهم ضحكة .. ربما واحد منهم يلقى عليه تحية .. ربما أعطاه واحد قبضة من الفول السوداني المقشور .. ربما ينادى عليه بائع أن يشترى ، والسوق كان السوق .. والناحية الحية من الرجل حية ، تمر فيها حمرة تفيض، تخرج منها الحمرة تغيض ، ولما يحس باللحم الحمرة ترجع همسة كالهمسة، والقدم تشتغل ، استدارت امرأة ، والفعل يفعل ، ابتسمت ، وهزت أكتافها ، وضربت كفل الحمار، وعادت إلى ما كانت هى فيه .. الرجل فوق الحمار يوجه، وينخس .. ينخس .. يوجهه .. فى نهاية السوق الحمار جفل ، والرجل وقعت العصا منه على الأرض، أمسكت امرأة عجوز باللجام ، صاحت فى الملأ .. الناس .. الحين صرت تجيىء على حمار ؟ زمان كنت تدخل السوق بقدمين ، ويدين .. مسحت العجوز على أردافها ، وضحكت ، لم تظهر أية سنة فى فمها ، وهو حرك اللجام ، وبأبأ كأنه يشتم ، لكز الحمار بعنف ولا رحمة ، فأسرع من خنقة السوق يخرج ، وخلفه جرى شاباه ، والعين الحية فى الرجل أوشكت أن تكون فيها دمعة .      

 



أضف تعليقا

اضيف في 11 يونيو, 2008 09:24 م , من قبل msaffar said:

اخي العزيز
قصة جميلة وبسيطة تجعل القارئ يتفاعل معها بعفوية
تمنياتي بدوام الابداع

اضيف في 11 يونيو, 2008 10:56 م , من قبل لطيفة
من المغرب said:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

اسلوب مختلف تماماً
بالنسبة لي..
لكن احتلاف لايعني البتة ان اسلوب ممتع ومشوق لادراك الموقف التالي

كان الله في عونها المرأة بالبادية
والمدينة معاً
^.^

وذاك هوحق الشيب حين يهجم على إمرء
ويصرع شبابه وعقله
فمن يقبل ان يكون اضحوكة السوق
لكن من العجيب انها حالة لاتقارن بالشيب دوماً..فقد تكون روتين بعض من الناس..بهذه الحياة

يسرني ان اتعلم شيئا جديدا في حياتي
اليوم

تحية خالصة لك سيدي

اضيف في 11 يونيو, 2008 11:06 م , من قبل لطيفة
من المغرب said:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

اسلوب مختلف تماماً
بالنسبة لي..
لكنه اختلاف لايعني البتة غير انه اسلوب ممتع ومشوق لادراك الموقف التالي

كان الله في عونها المرأة بالبادية
والمدينة معاً
^.^

وذاك هوحق الشيب حين يهجم على إمرء
ويصرع شبابه وعقله
فمن يقبل ان يكون اضحوكة السوق
لكن من العجيب انها حالة لاتقارن بالشيب دوماً..فقد تكون روتين بعض من الناس..بهذه الحياة

يسرني ان اتعلم شيئا جديدا في حياتي
اليوم

تحية خالصة لك سيدي

واعتذر عن الخطأفي التعليق الاولاني
فقد كنت اكتب والنور مطفي
الله لايطفي نورا علينا

اضيف في 12 يونيو, 2008 10:38 ص , من قبل mohsenyonis
من مصر said:

المبدع الصديق : يسرى أبو الخير
مثلك يعطينى الأمل على الاستمرار ، فأنت ترى أن الأدب هنا يبدو عاطلا ولا يثير اهتماما يليق به ، ولا أقصد كتاباتى ، فيمكن ألا تعجب بعض الناس ، وهذا حقهم الذى أؤمن به ، ولكنى أتحدث عن ظاهرة ، تبينت لى جوانبها منذ زمن من خلال تعاملى مع عالم المدونات ، والمنتديات أيضا .. الذى أود أن أقوله هنا أنك صديق عزيز مرحب بك دائما لتتعامل مع نصوصى ذلك التعامل الموضوعى .. أى أنك لا تلقى بكلماتك المجاملة وتمضى ، ولكنك تتعامل نقديا ، وهذا ما نسعى إليه لعموم الاستفادة ..
شكرا لك
ودمت صديقا نبيلا ..

اضيف في 12 يونيو, 2008 10:42 ص , من قبل mohsenyonis
من مصر said:

الدكتور : محسن الصفار
تحياتى
شكرا لتعقيبك الجميل مثلك ، وأنت صاحب نظرية فى الكتابة الساخرة تجعلنى أشعر ببعض الغيرة ، ولكنها غيرة محمودة ، فهى تدفعنى وتعطينى القوة ..
تقديرى واحترامى

اضيف في 12 يونيو, 2008 10:45 ص , من قبل mohsenyonis
من مصر said:

النبيلة : لطيفة
تحياتى
ما زلنا نتعلم ما دام النفس مازال شهيقا يتبعه الزفير ..
شكرا لك ومرحبا بك دائما هنا .. سأنتظرك وأراؤك الباهرة ..

اضيف في 12 يونيو, 2008 10:45 ص , من قبل mohsenyonis
من مصر said:

المبدع الصديق : يسرى أبو الخير
مثلك يعطينى الأمل على الاستمرار ، فأنت ترى أن الأدب هنا يبدو عاطلا ولا يثير اهتماما يليق به ، ولا أقصد كتاباتى ، فيمكن ألا تعجب بعض الناس ، وهذا حقهم الذى أؤمن به ، ولكنى أتحدث عن ظاهرة ، تبينت لى جوانبها منذ زمن من خلال تعاملى مع عالم المدونات ، والمنتديات أيضا .. الذى أود أن أقوله هنا أنك صديق عزيز مرحب بك دائما لتتعامل مع نصوصى ذلك التعامل الموضوعى .. أى أنك لا تلقى بكلماتك المجاملة وتمضى ، ولكنك تتعامل نقديا ، وهذا ما نسعى إليه لعموم الاستفادة ..
شكرا لك
ودمت صديقا نبيلا ..

اضيف في 12 يونيو, 2008 04:44 م , من قبل mohsenyonis
من مصر said:

يسرى صديقى لا أعرف .. لقد قمت بفعل أرعن ولا أعرف كيف قمت به فى لحظة سهو منى لا تغتفر حذفت تعليقك .. أرجو عفوك وغفرانك يا رجل .. ربما تستطيع كتابته مرة أخرى أطمع فى ذلك بعد أن تغفر لى فعلتى الشنعاء .. آسف لمليون مرة .. آسف يا صديقى العزيز

اضيف في 12 يونيو, 2008 05:49 م , من قبل yossri252
من مصر said:

الأديب و المبدع.. محسن يونس
أعيد كتابة تعليقي مرة أخى على تلك الرائعة ..

عزيزي الأديب و المبدع .. محسن يونس
أشكرك على أهدائي تلك الرائعة ( موت الجياد ) فهي بالفعل من روائع القصة القصيرة .. و التي تتميز بكل عناصر القصة أضافة الى عنصر التشويق .. فذلك النص من النصوص التي تبدأ بالسطر الأول و لا تدري أنك سوى بالسطر الأخير ..
صديقي ..
أسلوبك السردي له نكهة خاصة ..يؤكد لنا بأنك معجون بالقرية و دروبها و أسواقها .. لك عين واعيه مدركه لما حولها .. تلتقط الأشياء و تنسجها و تحيلها إلى كتابات سردية مفعمة بالحياة ..
أنا لا أبالغ فيما قلت .. و لكنها تلك رؤيتي الشخصية .. و لن أتحدث عن هذا النص بالتحديد .. لأنني سبق و قرأته بموقع القصة العربية .. و قرأت تعليقات الأخوة المبدعين و المتميزين .. و خاصة الرؤية النقدية للأديب و المبدع المتميز ( سمير الفيل ) .. لكني من هنا أهنئك و أشد على يدك لهذا التميز ..
لك كل حبي و تقديري أيها المبدع الجميل
تقبل تحياتي .. يسري أبو الخير

اضيف في 13 يونيو, 2008 11:12 ص , من قبل zaidabuzaid
من الأردن said:

عزيزي الاستاذ محسن يونس
قصة جميلة ومعبرة ذات دلالات ابعد من مجرد الاطلاع على النص والاعجاب بما ورد فيه، هناك ما بين السطور الكثير
اتمنى لك الابداع الدائم

اضيف في 13 يونيو, 2008 03:18 م , من قبل mohsenyonis
من مصر said:

أستاذ زياد
أشكرك كثيرا على مرورك الكريم وقراءة هذه القصة ..
الكتابة من وجهة نظرى هى كتابة اللامرئى ، وليس كتابة المشهد الواقعى فقط .. لنقل عنها كتابة الرؤية ..
سعيد بك
كن بخير

اضيف في 13 يونيو, 2008 06:11 م , من قبل نبيلة غنيم
من مصر said:

الأديب المبدع.. محسن يونس
قصة تستحق الاشادة
قرأتها أكثر من مرة
لأنها أكثر من رائعه فهي مغرقة في الواقعية
وتصور حياة مجموعة من البشر طحنتهم الحياة

ابدعت سيدى

اضيف في 14 يونيو, 2008 09:19 ص , من قبل mohsenyonis
من مصر said:

السيدة الفضلى : نبيلة غنيم
كم تشرفت بوجودك ، وكم فرحت بإعجابك بهذه القصة ، وأود أن تكونى موجودة مع نصوصى دائما ، فمبدع مثلك لرأيه أسعى ، وإلى كلماته أستمع جيدا ففيها حكمة الإبداع
وفقك الله لما فيه الخير دائما ..
تقديرى واحترامى

اضيف في 14 يونيو, 2008 02:36 م , من قبل ngoom57
من مصر said:

استاذ/ محسن
احييك على قصتك التى عشت فيها واعاشتنى فيها التفاصيل وتفاصيل التفاصيل فكنت مثل كاميرا فتوغرافيه لاتترك شيئا الا وتسجله حتى ادق التفاصيل . فالصوره هنا قد تمر امامنا ولا نراها الا انك رصدتها بدقه المصور واحساس الكاتب .اشكرك على امتاعى بجميل اللفظ وبالكلمات المعبره.
عادل نجم

اضيف في 14 يونيو, 2008 03:50 م , من قبل mohsenyonis
من مصر said:

أبو النجوم
تحياتى
شرفتنى بالقراءة .. وأعتبر رأيك وساما على صدرى .. وأقول لك إن من الوقائع ما يبز الخيال ..
شكرا لك

اضيف في 01 يوليو, 2008 12:24 ص , من قبل samirfeel
من مصر said:

قصة جميلة للقدير محسن يونس.
كاتب يستحق التحية والغشادة بحق ..



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية