موت الجياد
هذا يوم السوق ، والحمار مستعد ، وملجم ، ونشيط ، والرجل هائج منذ الفلق . المرأة تستجير بالمغيث ، تجرى وتتعثر ، تلتفت ، وتستقيم .. قالت : طيب .. طيب .. والرجل كأنه ثور لحقته سكين حشت زوره ، تندفع أصوات منه ، شعر المرأة منها يشيب ، وحتى تسكته أخذته فى حضنها ، وأعانته ، ليلبس جلبابه النظيف ، كبست بعد ذلك طاقيته فى رأسه ، ثم المرأة هفت الهواء ، وشفتيها زمت .. الرجل زام ، فهبت ، ونادت شابيها الاثنين يجيئا إليها .. واحد قال : مفلوج .. وأمه حطت على فمه راحة يدها ، وعيونها التى زغرت له بها فى الحال انكسرت ، أشارت إلى رجلها ، حمل الشابان أباهما ، وخرجا به ، وعلى الحمار أركباه ، تدلت يد منه ، لا حياة فيها ، وساق من ساقيه مثلها ، وجانب من وجهه ميت ، شاب من الاثنين قال : فضيحة السوق ! شقت الهواء عصا الرجل ، وصفرت ، والشاب لم يستطع أن يفلت ، صرخ ، سال نقطة على الصدغ، ثم نقطتان ، ثم صار خط من الدم ، الأم المرأة جذبت شابها ، وأعطت لرجلها اللجام ، أمسكه بيده الحية ، ولكز الحمار برجله الحية، وانطلق ، رفعت المرأة خلفه وجهها ، قالت : يارب الستر .. الستر مطلوبى .. شاب من شابيها قال : أضحك وأقول يا خرابي ؟! المرأة تنهدت ، قالت : الطبع من زمان .. وربتت على كتفي الشابين ، وأمرت أن يلحقا به .. المراقبة من بعيد .. بعيد .. حس لا حس .. قالت : طبعه .. اتركوه .. لو صرخت واحدة ، لو أمسكه واحد .. ساعدوه ..
في الخنقة التى تنفتح على السوق شد اللجام ، وتوقف الحمار ، جاس الرجل بعينيه فى الزحام والناس ، وقفز القلب ، فالنسوة النسوة يزحمن السوق .. وبعضهن ينحنين على الأشياء ينتقين ، أرخى الرجل اللجام، فصار الحمار بينهن، القدم الحية تلامس مؤخرة ، عجيزة ، جانب ردف ، تلامس .. هذا لحم حى وطرى، تلامس مسا .. هذا لحم عفي و جامد ، والحمار سائر .. هذا لحم رجل مثله .. ما رغبه ، واللمسة جاءت هباء ، فهو قصد واحدة انفلتت ، وجاء الرجل مكانها فى ذات اللحظة ، الرجل أخذه الغيظ فاغتاظ ، وتنبه آخر ، وكلمه : أبا الشباب فى السوق اليوم .. تلفت بعض الرجال ورأوه .. ربما أطلق واحد منهم ضحكة .. ربما واحد منهم يلقى عليه تحية .. ربما أعطاه واحد قبضة من الفول السوداني المقشور .. ربما ينادى عليه بائع أن يشترى ، والسوق كان السوق .. والناحية الحية من الرجل حية ، تمر فيها حمرة تفيض، تخرج منها الحمرة تغيض ، ولما يحس باللحم الحمرة ترجع همسة كالهمسة، والقدم تشتغل ، استدارت امرأة ، والفعل يفعل ، ابتسمت ، وهزت أكتافها ، وضربت كفل الحمار، وعادت إلى ما كانت هى فيه .. الرجل فوق الحمار يوجه، وينخس .. ينخس .. يوجهه .. فى نهاية السوق الحمار جفل ، والرجل وقعت العصا منه على الأرض، أمسكت امرأة عجوز باللجام ، صاحت فى الملأ .. الناس .. الحين صرت تجيىء على حمار ؟ زمان كنت تدخل السوق بقدمين ، ويدين .. مسحت العجوز على أردافها ، وضحكت ، لم تظهر أية سنة فى فمها ، وهو حرك اللجام ، وبأبأ كأنه يشتم ، لكز الحمار بعنف ولا رحمة ، فأسرع من خنقة السوق يخرج ، وخلفه جرى شاباه ، والعين الحية فى الرجل أوشكت أن تكون فيها دمعة .






said:

said:


said:














اخي العزيز
قصة جميلة وبسيطة تجعل القارئ يتفاعل معها بعفوية
تمنياتي بدوام الابداع