الكاتب
فى القص ليس ثمة قيود
عودة لنا نحن الكبارهذه القصة
الشىء الجميل
الرجل ككل رجل فى بلدنا أحب ، والرجل لم يهمد ، وإنما حبه تحقق فى عصفورين من عصافير الكناريا الأصيلة ، وفى قفص سلكى جميل وضعهما ، والأكل والمياه، أما وجهه فاسود ، وأما بدنه فتقلصت منه كل عضلة غة دور ، بعدها تنقبض عضلة ، فعصافيره يداعب، وينقرون الأصابع ، ويضحك هو .. هذا يحدث ، وبعدها يقوم من نومه ، ويصحو ، فمجلدة عصافيره ومتيبسة ، يجدها هامدة على أرضية القفص السلكى الجميل .. يحدث هذا للرجل الذى من بلدنا ، لأن الرجل آمن بأن النهار طلع ، وبان العوار .. كل الدنيا .. كل الدنيا ، ولابد أن يحتضن شيئا جميلا ، به يعتصم من الدنيا . الدنيا ، يهرب منها كلما خرج، وإلى شقته يكون الجمال يزقزق ، ويرفرف ، ويراهما – العصفورين – يتسافدان ، وبعد السفاد يصدحان ، ويرفعان الرؤوس ، والأبدان إلى أعلى أعلى ، فيفرح، وحلف أن كل أفراخهما سوف تكون لهم الحرية ، يفتح باب القفص ، وإلى الهواء يقول : انطلقوا ، فأنتم طلقاء ، فيروح كل فرخ كنارى إلى الفضاء ، الذى لا يحده حد .

التفت فى يومه الثانى ، والذى بعد الثانى .. فى كل مرة تكون مرة .. يرى القفص السلكى الجميل ليس فيه إلا فراغ كالضمير .. يتعذب الرجل الذى من بلدنا ، والصحيفة لا يقرأ ، والراديو لا يسمع ، وبعصفورين آخرين يحضر ، وهو كأنه يزوم ، رغم أنه جذلان يغنى : يا عصافيرى .. يا عصافيرى .. أربيك .. أربيك .. وشتم نفسه ، لأنه يريد الآن الشعر ، فلا الشعر يطاوع حتى ببيتين على الأكثر ، ولا قواف تأتى ، وانتبه أن الدنيا أخذته ، فدهمته ، ولطمته ، وهو راح إليها ، وككل رجل من بلدنا هون على نفسه ، وتحمل ، وأعطى عصافيره الكناريا الجميلة الاهتمام ، وفكه ارتعد ، وشعر أنه لابد يجرى إلى الحمام يفك حصره .. الكناريا .. الكناريا .. الدنيا .. الدنيا .. على أرضية القفص السلكى الجميل رفعت أرجلها إلى فوق ، والبدن يبعد عن بدن الوليفة ، ورائحة ، ولا صوت ، مد يده ، بالأرجل أمسك ، وعلى وجهه لم تسقط الدموع .. الدموع وقفت فى عينيه .. دمعة فى كل عين تكورت ، ولم تنزل ، كان الشباك فى حجرته مفتوح الضلف ، والجيران سمعوا صرخة إنسان من دنيتهم ، وجعير إنسان من دنيتهم ، وكل شىء بعدها سكت .

 

 



أضف تعليقا

اضيف في 09 يونيو, 2008 10:22 م , من قبل yossri252
من مصر said:

عمنا المبدع .. محسن
سبق و قلت أن النصوص لديك تحتمل أكثر من قراءة .. فالنص رائع و متميز و متعوب عليه و صيغت جمله بحرفية شديدة .. اسقاطات متتاليه .. تنبئ و تشير إلى النهاية .. و اقتبس منها ( فلا الشعر يطاوع حتى ببيتين على الأكثر ، ولا قواف تأتى ، وانتبه أن الدنيا أخذته ، فدهمته ، ولطمته ، وهو راح إليها )
الأديب و المبدع
من خلال مطالعتي المباشرة للنص .. اعتقد بأنه الزهايمر و الوحدة القاتلة و الفراغ ..
عزيزي .. للتو فرغت من قراءة نصك .. موت الجياد .. تحياتي لك و لقلمك
لك كل الود .. و التحية
يسري أبو الخير

اضيف في 11 يونيو, 2008 10:56 ص , من قبل mohsenyonis
من مصر said:

يسرى الصديق المبدع
تحياتى
كنت بالقاهرة ليومين ماضيين وأتيت فوجدتك والجمال فى التناول والتلقى .. ليكن لك الإبداع الصافى والخالد ..
سوف تكون "موت الجياد" هنا الآن مهداة إليك ..
شكرا لك من القلب مع تقديرى واحترامى لشخصكم النبيل

اضيف في 15 يونيو, 2008 04:03 م , من قبل سمير الفيل
من مصر said:

وهذا درس في الايقاع القصصي الذي يتصاعد ، ويتصاعد حتى يصل إلى الجواب العالي ثم يسكن فجأة إلى قرار مكين فتشعر بارتعاشة الكون ..
المسالة لا تخص الحكاية بل طريقة السرد نفسها التي تتكأ على " موتيفات " شعبية ، وتشكيل لغوي متماسك ، ومختلف في طريقة بسطه على محك القص.
رجل يعشق العصافير الكناري ، يربيها كي تكبر وتفرخ صغارها فيملأ روحه بالبهجة . لكن شيئا ما يمنع حدوث هذا الشيء الجميل ، وحينما تتأمل اسلوب الكاتب في الحكي فسوف يداهمك خاطر غريب ، وهو أنك تستمع لشاعر ربابة ، يمر بالخيط المشدود على الوتر الحساس ، فتشعر بشجن عميق وحزن متأصل .
وضعت يدي على خدي وسألت نفسي : هل هو الفقد وقد تجلى في عصفورين رقيقين؟
هل هو الذي حبسهما فحكم عليهما بالموت طالما لم يمنحهما الحرية للتحليق؟
هل هو العقم يملأ نفسه ويتسلل إلى الحياة الرثة التي يحياها ، ولأنه لا يعرف كيف يناغي طيوره فالموت هو الشيء الوحيد المحقق؟
سألت نفسي أيضا عن سر الوجه السود والعضلات التي تنقبض في وجهه .
وسألت نفسي ـ الأمارة بالسوء ـ هل لون البشرة مقصود بها لون الضمير؟
كومة من الأسئلة صحبتني وأنا أجوس عبر هذا النص البديع للكاتب ، وأخيرا توقفت أمام المشهد النهائي ، حين كانت الصرخة.. بعدها سكن كل شيء .. .
سمير الفيل

اضيف في 16 يونيو, 2008 10:07 ص , من قبل mohsenyonis
من مصر said:

سمير الفيل
أنت هنا يا صديقى ؟!
لماذا لاتكون هنا ولك مدونة حتى يمكننا تبادل الحوار الثقافى وتناول النقد على أصوله ؟
أنا سعيد بوجودك وطبعا أنت غنى عن التعريف ولابد أن تشارك فأنت صاحب تجربة طويلة فى فن السرد والنقد أيضا ..
كن بخير دائم يا صديق الدرب ..



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية