الكاتب
فى القص ليس ثمة قيود
دور من ربى ومن رعى - فصل من رواية

فصل من رواية "بيت الخلفة"

 

رأيت يوم أن سلط الرجل " شفيق " حيوانه النمر على الشاب " حسان " .

صاح : عليه .

هجم النمر ، وحين هجم أمره الرجل : تعال .

تراجع النمر بعد طال من الشاب قطعا فى الوجه ، من أثر الظفر ، ومزعة من بطنه اقتطعت، إذ قبض النمر على لحمه بالأنياب ، وتمرغ حسان فى التراب ، ووقف النمر على صدره ، يبخ بخره فى وجهه الملوث بالدماء .

تقدم الرجل ، كان فوق حسان ، قال : الله فى سماه يا أفندى أعطاك الفكر ، والورق والحبر، فشقيت بالفكر ، ولم ينفعك الورق ، ولا الحبر .

قال حسان لى : قلت فى نفسى أسكت الساعة ، لأنى تهزأت بما يكفى ، ولما اختفى الرجل والنمر شعرت أن نفسى أصابها وسخ ، وظل الشعور بالوسخ يلبسنى ، إذا استحممت لأدفع هذا الشعور عنى إذداد الوسخ ، ووسخنى ، فأستحم، فأتوسخ .

ورأيت يوم أن نزل النمر عبر الشارع الذى به سراية الرجل شفيق ، وقفز إلى صندوق العربة النقل ، الممتلئ بأقفاص الفراخ البيضاء ، وصاحبها يرتكن إليها ينام ، وفى حجره الميكرفون ينادى به ، صحا إذ هاجت الفراخ بنقنقة طويلة مذعورة ، ونطت إلى كل مكان، النمر الحيوان يضرب ، فيمزق ، ويطير الريش والرقاب ، وفتات اللحم المدمم ، البائع وجهه انتفخ ، وهو مزنوق ، وصات وتفتف ، ولم يقم من مكانه إلا أنه رفس مرة ، أو مرتين قبل أن يتصلب جانب من وجهه ، وتهمد ذراعه اليسرى ، وقدمه ، ويتدلى فكه ، والنمر بعد أن كسر كل الأقفاص ، ومزق كل الفراخ رأى هناك فى الشارع ثلة من الفراخ الشاردة ، فنزل من صندوق العربة ، وانطلق خلفها .

ورأيت يوم انسل النمر إلى الجامع ، والشيخ حامد يؤم المصلين فى صلاة المغرب، كانت الصفوف واقفة بين يدى الله تعالى ، والنمر يهر فى دمدمة ، يتمسح فى الأجساد ، ويمر من صف إلى صف ، كل من يصلى طرفت عيناه ، والشيخ حامد دار النمر حوله ، وهو الإمام سكت فى فاتحة الركعة الثانية ، لأن النمر بعد أن دار دورتين أقعى لصقه ، وبدأ ذيله يلعب، ويمس ظاهر قدم الشيخ ، فيقشعر بدنه ، ويتقفع .

ورأيت يوم عرس ابن الحبايبة تجار الحشيش ، والنمر يظهر بين المعازيم ، الذين سطلهم المخدر ، ولف أدمغتهم ، وعند الكوشة راح ، والشابة العروس فى البدء بوصة تخشبت، بصت فى عيون النمر ، وتحققت ، ثم قذفته بباقة الورد التى فى حضنها ، وظلت تصرخ ، إذ تثاءب النمر فى وجهها ، وفوق الكوشة طلع ، وشمشم ، وأوسع ما بين ساقيه ، وعان واحدة منهما ، وبخ بخة ريحتها ، العريس ابن الحبايبة ذهبت روحه لما شمها .

ورأيت يوم عمتى " حسنات " والنمر بعد أن بقر بطن نعجتها ، تعلقت المرأة بقوائمها والنمر يجرجرها ، مسحت الأرض ، وبان سروالها ، تهش النمر بقبضات من التراب ، يبتعد ، تشد إليها النعجة ، وتغطى عريها ، يرجع ، تعود هى للتراب .

النمر ترك النعجة ، وهجم عليها ، حاورها إلى أن ضرب ضربة طاشت ، ووقفت المرأة لحظة قفزه فى الهواء ، وامتدت يدها ، قبضت على زمارته بقبضتها ، تفلفص النمر ، وتمزق لحم ذراعها ، ورأت الدم ، فكت قبضتها ، واستدار النمر يجرى ، زعقت المرأة ، وهى ترفع وجهها ويديها إلى السماء : منك لله يا شفيق يا بن ست الدار .

افترشت المرأة الأرض عند نعجتها ، كانت تعيد مصارينها إلى بطنها ..

ورأيت الزمان الذى صار فيه شفيق غنيا وتأمر ، وعشق النسوان والأكل ، وغذاء ملكة النحل ، ومسدسه المدلدل بجراب قرب وسطه ، يخرج فى العتمة قبلى البلدة، يطلق منه رصاصتين فى الهواء ، ويزفر كأن غمة كانت تقعد فى صدره ، وانزاحت ، وإلى نسوانه يرجع يلعب ، ويلاغى ، ويقفز ، يفعل معهن مثلما يرى فى الأفلام ، ويجعل المرأة تحضر، وهو مع المرأة.

ورأيت " شفيق " قبل عدمه بساعة ، قلت : الجاه على قدمين يمشى . قلت : ياللى جيت على قد زمانك .. ياللى انت من تراب .. ياللى رحت بأفعالك ، لا سلطان نفعك ، ولا غنى فادك ، فكأنك فى الناس تذهب مثلا : " فبات يروى أصول الفسيل، فعاش الفسيل ومات الرجل "

من حلق الباب دفعت الأكتاف ، وعملت فرجة ، رأيت النمر وحش الفلا زمجر ، ولحس بلسانه قدما من أقدامه الأمامية ملوثة بالدم ، والناس تراجعوا ، ووقعوا فى الاضطراب ، إذ أن أقدامهم داست فى بقعة دم تخثرت ، فلما داسوا عليها ، انكشطت عن الأرض ، وعلقت بأقدامهم ، فلما علقت اقشعرت أبدانهم ، ووجوههم اغبرت ، فبقعة الدم هذه من دم الرجل ، كأنهم يدوسون فيه هو ، كأنهم إذا هربوا، هربوا منه هو ، :انهم يدوسون فيه هو ، يوم نحر ، أين المفر ؟! صحت : يا خلق هووه مسمار سمركم ؟! فانفكت ، وهرب النمر .

هو الذى رباه .. شفيق رباه .. هو الذى رباه .. شفيق رباه .. هو الذى رباه .. الرجل شفيق هو الذى انقتل .

رأيت ساعة العدم ، النسوان خاصته كلهن فى البيت ، والناس أغلقوا الباب على بدنه الذى تمزعت منه الرقبة .

" وديدة " وقفت تندب .. " إفتراج " أخذتها فى حضنها ونهنهت .. " سلوى " الحلوة زعقت : أموت معاه .

إفتراج تركت وديدة ، وقفزت على سلوى ، وعضتها عضة خفيفة فى كتفها ، ضحكت سلوى.. بدن الرجل ما زال ينز منه الدم ، ويفصل بينهن ، وبينه باب غرفة .. النسوان الثلاث أطلقن الضحكات صاخبات ، لا تعرف لماذا يضحكن ، إنما هن يضحكن ، وبدن الرجل أبو عين حمرا مثل دكر الوز ، إن شال عينه فى الحرمة تهتز ، ميت ويضحكن!!

رأيت أمه ست الدار – كانت عمياء – أخذت تدور فى العماء ، تلطم الفراغ ، تريد أن تطول وجه أية امرأة من نسوان شفيق ، زعقت .. زعقت ، وبح صوتها: يا ولاد الكلب .

كن يجرين فى الصالة ، يلعبن الاستغماية ، ست الدار فى الوسط ، تدور ، ولا تلحق بأية واحدة .

تعبن النسوان وقعدن ، العمياء ست الدار مدت ذراعيها حتى اصطدمت بالحائط ، استندت عليه ، وبكت ، وتمخطت فى قماش جلبابها ، مشت تتحسس الحائط ، وصلت إلى الباب ، بحثت عن الترباس وفتحته ، دخلت وأغلقته ، نظرت وديدة إفتراج وسلوى إلى هذا الفعل، ولم يتكلمن .

رأيت ست الدار تعثرت فى بدن ولدها ، قرفصت ، ومدت يدها ، صرخت ، لأنها لم تعثر على رأسه ، زحفت على أربع تذهب ، وتجىء ، تبحث ، تقصر يدها وتطول، فى واحدة أمسكت اليد بشىء ، أذنا من أذنيه ، شالت الرأس باليدين ، قربته من صدرها ، وملكته بيد، ارتكزت على الركبتين ، وتعرفت باليد الأخرى على الرجلين و الساقين و الفخذين والعانة والبطن والصدر .. هنا .. هنا .. وضعت الرأس فى موضعها ، وهى العمياء لم تر أن الوجه – حين وضعت الرأس – كان منقلبا إلى أسفل ، والقفا إلى فوق ، زحفت إلى للخلف ، واستندت على الحائط ، تنهدت ، وقالت : مين يصدق ؟! كبير وصحابك من أهل النهى و الأمر .. قلت : كان له ضهر يا ست الدار .. قالت : مين ؟ الأفندى ؟! زعقت حتى هيكلها العجوز ارتج ارتج ، زعقت : اخرج .. ابنى عمره ما حبك .. قلت : طيب وماله ؟ صاحت : كنت تكتب الشكايات ضده والقصايد .. تشمت .. قلت : غنى ياست الدار .. الكل يغنى .. زمن المغنين و المغنيات .. غنى ، وقولى .. كان لنا سبع تهيبه السبوعة ، و السبع مات ، واحنا تاكلنا الضبوعة .. قولى يا ست الدار .. ياللى انقطع حسك م البلد ، وانعدم سلسالك .. ست الدار فزت وصرخت ، أخرجت صرخاتها : برا .. اخرج برا يابو قلب اسود .

تحركت فى اتجاه الصوت الذى كلمها ، وحينما تحركت ، قدمها داست فى الرأس المقطوع، فانقلب الوجه لأعلى ، تقلقل ثم سكن فى مكانه .

كنت رأيت الرجل باع القراريط السبعة ، بعد أن سرق حجتهما من أمه ست الدار ، إذ أن رئيس الدولة قال إن أرض مصر ارتفع ثمنها ، وكان يدلل على الرخاء و الأمن و الأمان ، فوقعت فى نفس الرجل وعمل بها ، واشترى بذات الفلوس فدانا من غيط القبايبة شرق البلدة ، قسمه ، وضارب وباع ، وابتنى البوتيك بجانب البوتيك ، وأجر بالكدك ، وعرف الطريق إلى بورسعيد يدخل ، ويخرج ، قرأ السياسة – ليس من الكتب – إنما عرف رياح البلد من أين تهب ، وإلى أين تسير، والفدان جاء باثنين وثلاثة وأربعة ، والرجل بعد الضنى تربح واغتنى ، تجبر واعتلى ، يركب السيارة والسيارة ، ويسكن البيت له حديقة ، وسماه : السراية ، ورأيت العربات تدخل البلدة بأحمال من القش والخشب ، وكراكة بشوكة حفر ، تحط عند البحيرة ، ورأيت الرجل يكترى من الرجال مائة من البلاد ن قلعوا ما يلبسون ، واندفعوا يدقون الأعمدة ، ويقيمون الجسور فى ماء البحيرة ، والطين تحفره الكراكة ، وتكومه فوق القش ، حسان صاح : أنت تغتصب الأرض والبحيرة . رد الرجل شفيق عليه ، وهو يجز على أسنانه : أنا أحب الغصب يا أفندى .. والصيادون قالوا يقطع الرزق بالجسور ..

ورأيت الرجال المائة يقسمون الأحواض ، كل حوض ثلاثين فدانا ، ستة أحواض ، قال الرجل : كفاية ، مزرعة أسماك المعلم شفيق . وجاء بالزريعة ، وضعها فى ماء الأحواض، ورأيت عائلة " الجوهر " تقف فى وجه الرجل ، قالوا طرح أرضهم داخل هذه المزرعة ، وقامت المعركة حين كرر الرجل شفيق قوله إنه يحب الغصب ، وهذا زمنه ، فانفجر رشاش الخرطوش من بندقية عائلة الجوهر ، ذاهبا مباشرة إلى إليتيه ، فخرم الرش مساحة الفلقتين فى دائرتين متساويتين ، ورأيت كيف حمل إلى المستشفى الأميرى بالمدينة ، ظل الطبيب ينزع من إليتيه الرش أربع ساعات حتى تعرق ، وأغمى عليه ، وبعدها مكث شهرا ينام على بطنه، لايقدر على التقلب لينام مثل الأوادم ، ورأيت حين تم له الشفاء ، رفع المعمر بالرصاص فى جراب ، يسرع بإخراجه ، يهدف على حجر فى الطريق ، على طائر فى السماء ، على كلب ضال ، امتلأ فضاء البلدة بصوت الطلقات ، والرجال صاروا فى حضرته تروح عيونهم تدور فى محاجرها ، ثم تقف عند الجراب ، تتلجلج منهم الألسن ، ويضحك الرجل ، فقد كسب كل معاركه ببعض نقط الدم ، لا يهم ، صحة وعافية ، هو الذى قال وبرهن .

ورأيت يوم المسدس ،وسلوى الحلوة ، التى أخذها بعد وديدة ، وإفتراج .. من حبه فيها جعل لها أربعة أيام ، ويوما للأولى ، ويوما للثانية ، واليوم الباقى راحة.

كان قد فرغ من سلوى ، وانقلب على الفراش مبسوطا ، وحبيبة القلب سحبت المسدس من جرابه ولعبت به ، وهى بعد مخدرة .

انطلقت الرصاصة ، مرت قرب أذنها ، ولمح خيطا من الدم ورائحة البارود ، وشعر محترق، وسلوى على الفراش قد غشيت .

ورأيت كيف جاء الطبيب ليكشف ، ويصف الدواء ، وعضو مجلس الشعب عن الدائرة ، وناس من العاصمة يأتون إلى سراية الرجل ، وصورته فى الجرنال ، وتحتها كتابة يشكرون فيها الله والطبيب ، لحصول الشفاء للزوجة المصونة ، ورأيت كيف رمى شفيق بالمسدس ، وخلع جرابه ، وأوصى أصحابه أن يحضروا النمر له ، فأحضروه من السودان ، يمشى فى ركابه والناس فى البلدة قالوا : عجبا .. طوال حياتنا لم نشاهد .. الرجل يفعل فعل ملوك السلف ، يربون الوحوش أبهة وعزة ، ويصطحبونها كالحرس !!

ورأيت يوم غضب الشيخ حامد ، وحضر إلى سراية الرجل ، الذى ضحك فى وجه الشيخ، وقال له : أنت يا شيخ أول من جرى , والشيخ أشاح بيده ، وضرب بمسبحته على فخذه، وصاح : ولا ترموا بأيديكم إلى التهلكة .. ثم رجا الرجل شفيق أن يقيد النمر .

ورأيت يوم حاول حسان الشاب مع النمر ، رمى له بفخذ لحم ، لا أحد يعرف من أين جاء بها ، شمها النمر ، ولم يقربها ، قال حسان : كلها .. ومسح براحته على فروة النمر ، استنام الوحش للتحسيس وابتسم الشاب ، وأرخى رموش عينيه ، لا أحد يعرف فى ماذا يفكر هذا الشاب ، حين سمع صوت الرجل شفيق فتح عينيه ، والنمر زمجر ، وتأهب، وقف شعر رأس الشاب بينما ارتفع صوت الرجل يتهكم : يا أفندى هل وجعك ختمك ، ونزلت البواسير ؟ - ثم تشفى أكثر – يا أفندى هل غم عليك ، وتقلصت ماسورة المرىء، وضربت معدتك القرحة ؟ مصيرك لابد يصيبك، أنت من الحقد مريض .. أمثالك .. أمثالك .. الريس قال .. الريس فعل .. الريس قال .. الريس فعل .. ماذا قلت أنت ، وماذا فعل أمثالك ؟ اقعد بحسرتك ..

انتهى شفيق من كلامه ، وأخذ النمر ، قلت : ياحسان ، قال : ابتعد عنى .. قلت ياحسان ياحسان .. قال : كل ما آمنت به وأحببته يضيع ، وصرخ .. قلت : النهار سيطلع لكل من له عينان .. أف الهواء ، وعوى ، كأنه يعوى والله ، قلت : ماذا ترى ؟ قال : رأيت أن اثنين من العباد الأول وكان اسمه " الخضر المصرى " والثانى كان اسمه " واحد " ، رأيت يا مثقف عنف النهار فى نهاره ، وقلق الليل فى ليله .. حكمة الزمان ، وضياع الأمانى ، هكذا انقسمت الدنيا بين الاثنين ، لأن " واحد " شبه له ، وهو صاح أنه نائم ، فوجد الحوت السمكة اتخذ سبيله فى البحر سربا ، فتح فاه ، وأبحر خلفه ، يركب سفينة يمتلكها، وصاح : إنى لأجد للملك لذة وطعما ، فلا أدرى أكذلك كل الناس ، أم أنا وجدته من بينهم ؟ فقيل له يا مثقف ، بل الملك كذلك ، فاغتاظ من الجواب ، وشق البحر المالح ، فلما اتجه الحوت إلى الشرق ، الواحد تبعه ، ولما اتجه للغرب الواحد تبعه ، وكان يقعد على جانب السفينة ، يدلى برجليه فى الماء يستمتع حين مست كعوب رجليه صفحة الماء طرطش ، ثم تصخر ، ارتعش " واحد " وأحمه الضيق أحمه ، حتى وجهه اسود اسود ، ثم جاء الخوف وسكنه ، فخاف أن يكون فى النوم ، وهو المستيقظ ، والبلدة تضحك على كعوب رجليه وما تجنى ، فيقول قائل منهم : يجعل الخضرة فى رجليك تنشف .

نام " واحد " على بطنه ، وتحسس الماء بكفيه ، عندها برطم : أ . أ . أ . أ . لأن الماء تيبس بفعل كفيه ، والحوت يشق البحر المالح إلى وجهته ، يشده معه، طوح بقبضته ، ولف ذراعه من عند الكوع ، صرخ : آخر الدنيا وراك وراك ، ونظر إلى ما فعل كفيه وكعبيه ، نفخ : أف . أف . وفى رأسه جاءت فكرة : لماذا لا يتفاءل؟! فتفاءل ، لأنه وجد نفسه من دون الخلق أجمعين يمس الماء يتصحر .

اتسع التفاؤل ، فهو اهتدى إلى التعليل وزاط ، حتى أنه وقف يدق على سطح السفينة من الفرح ، والحوت اختفى ، لأنه تخوف من الزياط والدق ، ظلل واحد عينيه براحته .. أين ذهب الحوت السمكة ؟! عند السؤال ظهر له الخضر ، تلعبت حواجب واحد ، وتساءل : أنت موجود ؟! كنت أظنك من وحى الخيال الشعبى ؟! لم يتكلم الخضر المصرى ، لأن واحد لم يترك له فرصة ، وقال ينبهه: إنك لن تستطيع معى صبرا ، والخضر المصرى ساكت ، أشار واحد له أن يركب ، وحين ركب ، قفز واحد فجأة وسط المركب السفينة ، وأخذ بمدقة، فخرب بها قعر السفينة بسرعة ، والخضر المصرى يراه يفعل ، فلم يمنعه ، أو يأمره بالكف.

اندفعت مياه البحر المالح إلى أعلى ، نافورة فى وسع ذراعين ، والخضر المصرى الذهول جمد فى عينيه ، وعلى ملامح وجهه ، ولما أفاق همس : أخرقتها لتغرق أهلها ؟! وارتفع صوته ، وهو يقول : لقد جئت شيئا إمرا .. كان واحد يقعد فوق صارى المركب السفينة مثل المخوزق ، يقهقه : قه . قه . قه . قه .

زعق الشاب حسان فى وجهى : إذهب عنى .. اذهب عنى .. وسكت عن الكلام .

ورأيت آخر شىء .

وعلمت الخبر اليقين ، الرجل راح ، وراح ، وجاء ، أنشأ العمارة من عشرين طابقا فى غيط القبايبة ، بعد البوتيكات ، ولم يعد يظهر إلا قليلا فى البلدة ، والمزرعة السمكية أعطى إدارتها لموظف من المدينة ، يعرف أسرار الماء والسمك ، وحسان الشاب أقسم بأن الرجل صار مستوردا للبيض والفراخ البيضاء، وأن العمارة هذه ستكون مقرا لشركته، قلنا : رجل يتحرك ، وسوف نأكل .. قال : سوف تأكلون البيض والفراخ من إسرائيل ، هكذا تحرك يا آكلين..

بعد فرح ابن الحبايبة تجار الحشيش جاء سليمان كبير العائلة ، وتحدث مع الرجل شفيق ، فطيب خاطره ، وقال إنه اشترى القيد ، سلسلة حديدية ، فى نهايتها قيد جلدى بإبزيم ، ودخنا عشرة أدوار معسل بالغموس ، قام سليمان برصها ، وتضاحك الرجلان .

ورأيت الرجل قبل عدمه ، قلت : ياللى جيت على قد زمانك .. ياللى الزمان صار خدامك .. يبحث عن النمر ، فلما وجده ينام فى ظل الجامع هشه ، فتثاءب النمر، وقام كسولا ، ثم نفض بدنه عدة نفضات ، ومشى يسبق الرجل إلى السراية .

فى نفس الغرفة صلصلت السلسلة الحديدية فى يدى الرجل ، وسحب النمر لسانه المتدلى من بين أنيابه إلى داخل بوزه يرطبه ، واندلق اللسان ثانية إلى الخارج ، وعينا النمر تابعتا الرجل.. هو الذى رباه .. هو الذى رباه .. تجولا فى المكان ، وحك الوحش جنبه بالجدار ، وهرش رقبته ، وفروته لمعت مع كل هرشة ، بحث الرجل عن عروة الإبزيم ، وأخذ الرأس.. هو الذى رباه .. هو الذى رباه .. التف القيد الجلدى ، وبحث الرجل عن الأبزيم وعروته ، ضربة من يد النمر مزقت صدر الرجل .. ضربة واحدة .. هو الذى رباه .. اشتدت يد الرجل من الرعب ، وهى تخنق الرقبة .. الضربة التالية أخذت الرقبة .. انتفض جسم الرجل ، ولحس النمر من دمه .. هو الذى رباه .. هو الذى رباه .. هو الذى أراد أن يقيده .. هو الذى انقتل ..

ست الدار دقت على باب الغرفة .. وديدة دقت ، وإفتراج ، وسلوى تمهلت ، قالت: اتركوه يقيده ، كثرت مشاكله ..

سمعن غضبة النمر وزئيره كأنه ملتاع ، قلن : مصيبة .. النمر محبوس مع شفيق .. صرخن، وجاءت الناس .

ورأيت أننى عشت هذا الزمن ، وعرفت الرجل ، فقررت أن أحكى لك قصة من ربى ، ومن رعى يا زين الشباب .

 



أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية