في حياته الفانية استهلك عوضين الجراس امرأتين ، والثالثة شاهيناز أفلتها ومضى إلى طريق لا رجعة فيه ، كان قد وصل وزنه لحما و شحما وعظما مائة كيلو جراما وخمسة ، وأكل في حياته الماضية تلك نحو سبع بقرات سمان ، وعشر من الجاموس البتلو ، وتمتع بكباب أربعين خروفا ، و خمسا من الغزلان ، وجملا واحدا ، موزعة بالطبع على قطع مشوية أو مسلوقة أو محمرة في زيت ، أو مفرومة ومدهوكة في بيض أو محشوة داخل البطاطس أو مدسوسة في خضار ، ولم يقرب لحم الأحصنة أو لحم الخنزير ، إلا مرة واحدة أو مرتين ، ومن الأرز عشرة أطنان ، ومن المكرونة طنا واحدا ، فهي كما وصفها بنفسه تلبك المعدة ، وعشق من الفاكهة ثمرة المانجو فلحس ومص واستحلب مع غمغمة توجز ما يشعر به من لذة وهو ينهش في لحم الثمرة بأسنانه ما يزيد على ألفين من أقفاص المانجو، زنة كل قفص حوالي العشرين كيلو جراما ، كانت تأتيه من الإسماعيلية مباشرة ، يشارك ثمار المانجو ، ثمار الفراولة ، لذا يمكن القول أن عوضين الجراس جمع في حبه ثمار الشجرة وثمار الشجيرة ، ومع التحول للزراعة المغطاة والتي استوردت طريقتها مع دخول خبراء يعملون كل أيام الأسبوع ما عدا يوم السبت ، واكب هذا التحول الانتباه إلى تلك الأراضي الصحراوية المحررة بعد حرب أعقبها معاهدات ، أصبحت هذه الأراضي تنبت الفراولة مع أنها ظلت قرونا لا تنبت إلا الرمال ، وهكذا مكنت هذه السياسة الجديدة عوضين من إحضار نصف طن أو ثلاثة أرباع الطن أكلها إما ثمارا يزدردها ، أو عصيرا يضاف إليه بعضا من الصودا أو السكر ، لذا تجرع مسحوق ما يزيد على خمسمائة كيس فوار تضاف للماء ، لإذابة الأملاح من كليتيه ، وبمناسبة الخضار كان يحب السبانخ والقرع العسلي والكوسة ، فأكل من الأول ما يوازى إنتاج خمسة حقول ، أي ما يزيد على ثلاثة أطنان لو حاول أحد أن يقرب إلى ذهنه ما تنتجه هذه الحقول الثلاثة ، أما القرع العسلي فمع اللبن وعسل النحل ربما مائة ثمرة وزن الواحدة يتراوح بين الثلاثة كيلو جراما والأربعة أو الخمسة أو الستة كيلو جراما، أما الكوسة ، ولأنها خفيفة على المعدة فطبخ له في مطابخه أكثر من الطن منها ، ومن البطارخ التي تؤخذ من أنثى أسماك البوري ، وتأتيه إما من دمياط أو الإسكندرية مملحة و مجففة ، أكل منها ما بين الخمسة والعشرين كيلو جراما ، والثلاثين كيلو جراما ، والشيء بالشيء يذكر فقد جاءت إليه علب كعك القوة ، وهو الكافيار الذي ينتج من أسماك الحفش في كل من الدول الآتية : روسيا وإيران ورومانيا ، لم يستطع استيراده من إيران فبقيت الدولتان الآخرتان ، يقدمه لنفسه أو لأي ضيف هام يستضيفه في قصره ، أو فى المناسبات الرومانسية المثيرة ، ولكنه يقدمه أثناء ذلك بالطريقة التقليدية وهي أن يؤكل مع مواد ذات طعم محايد- أي بدون ملح - كأن يؤكل مع خبز أبيض أو محمص أو مع بيض مسلوق جداً أو مع كعك البطاطا أو مع الأرز، وينبه على طباخيه بتقديم أطعمة خاصة مع الكافيار وهى أيضا يجب ألا تؤثر على مذاقه الفريد مثل الأفوكادو والكريمة الحامضة والزبدة غير المملحة، يمكن تقريب وزن علب الكافيار التي تناولها بحوالي سبعين رطلا لا غير ، ومن البيرة التي بها نسبة من الكحول ما يملأ بسائلها حجم حمام سباحة في أحد الأندية المشهورة ، حتى يمكن اعتباره لا يشرب الماء القراح إلا نادرا، أما الخمر من الفودكا ، ومن الجن ، والنبيذ والشمبانيا فكثير من الزجاجات امتلأت بها أرض خراب جنوب قصره تقدر مساحتها بألف متر مربع كأنها زرعت بها ، وقد أحب طبعا قبل السنة التي سبقت موته بثلاث سنوات نبيذ شاتو موزار اللبناني وفضله على الأنبذة الأخرى عددا من الزجاجات يمكن أن تحمل صناديقها سيارة نقل ذات صندوق طويل ، الطعام والشراب كثير ، فلا تثريب عليه إن أكل أو شرب ، أما عن اللحم الحي ، فعدد خياناته لزوجاته الثلاث مع نساء أخريات ستا وثلاثون مرة ، منها سبع علاقات دائمة منهم ثلاث مع نساء متزوجات ، والأربع مع نساء إما مطلقات أو أرامل ، منهن واحدة أحرقت نفسها بعد أزمة معه ، والأخرى ألقت بنفسها فى نهر النيل بعد أزمة ثانية معه والتسع وعشرين الباقية علاقات مع نساء عابرات ، امتلأ قلبه بألف حقد استطاع أن يحصد جوائز ألف هزيمة، وظل حقده على المهزومين باقيا ، وخمسمائة ألف من الأحقاد التي عالجتها ظروف ارتبطت بالمناخ السياسي ، وصعود طبقات وانهيار طبقات ، أما ذهابه إلى النيابة خمس مرات فبقدرة المحامين خرج من ثلاث كالشعرة من العجين ، والاثنتان الباقيتان واحدة حكم عليه بستة أشهر سجنا ، وبقدرة المحامين أيضا استأنف الحكم ليحصل على دفع غرامة مالية ، دون السجن ، أما المرة التي دخل فيها السجن فقد كان يجب أن يدخل السجن دفعا لمصيبة أكبر، وقضى به سبعة أشهر ، وخرج قبل قضاء العام لحسن السير والسلوك ، فى هذه السبعة أشهر تعرف فى السجن على الكيف ، ودخنه باستمتاع ، وطلبه باستمرار ، وأعطته سحب الدخان الأزرق نظرية واحدة خرجت من مخه المخدر ملخصها أن الاستمتاع بمباهج الحياة ليس متاحا للجميع ، وأن صاحب المال والصحة هو أكبر مستمتع ، وعلى هذا استنتج أن عليه أن بزيد من ماله وهيلمانه ، أما الصحة فلم يذهب إلى الطبيب فى حياته إلا مرتين ، واحدة لطبيب باطني لشعوره بمغص حاد فى منتصف بطنه ، وشخص على أنه تقلص حاد فى مصرانه المستعرض نتيجة لتخمة صاحبها توتر ، أما الطبيب الثاني فهو للعلاج البديل حينما زاد وزنه ووصل إلى مائة وسبعين كيلو جراما ، استطاع أن ينقصها إلى أن صار وزنه مائة وخمس فقط ، أخرج زكاة المال اثنتي عشرة مرة ، وصام رمضان عشر مرات فى حياته متقطعة ، وفى السنة الأخيرة من حياته تحول من الفساد إلى التقى والورع والصلاة ، أطلق لحيته ، وأمسك مسبحة لا تفارق أصابع يده اليمنى، وهى تسقط خرزاتها تباعا ، وصلى في هذه السنة اثنا عشر ألفا وسبعمائة وأربعين صلاة فرضا ، يزاد عليهم صلاته ست آلاف وثلاثمائة وسبعين ركعة تطوعا ، وترك لزوجته شاهيناز خمسة ملايين من الجنيهات كل جنيه ينطح جنيها ، وعمارتين تتكون الأولى من أربعة عشر طابقا، والأخرى من ستة عشر طابقا ، وجراج ، وأربعين فدانا بالإسماعيلية تزرع بالمانجو، ورصيف باسم عوضين بميناء دمياط ، ومصنع لإنتاج الملابس يعمل به ثلاثمائة موظفا وعاملا ببورسعيد ، وألف فدان بسيناء ، وثلاث سيارات إحداهما مرسيدس سوداء ، وتويوتا فان ، والأخيرة شيروكى، وفيلاتين ، وشاليهين واحد بمارينا الساحل الشمالى ، وواحد بشرم الشيخ جنوب سيناء ، طلبت شاهيناز الرحمة له من رب العالمين عشرين مرة، منهم عشرين مرة بصوت عال أمام من حضر للتعزية ، وقالت إنه كان نعم الزوج في الخمس سنوات التى استظلت بظله ثمانى مرات وأمام المعزين أيضا ، وصاحت في أقارب عوضين ، وهى تفتح الباب مرة واحدة باترة : " سعيكم مشكور .. مع السلامة " وأغلقت الباب بالترباس وأدارت مفتاحه ثلاث دورات لأنها سمعت أقارب عوضين وهم يتدحرجون على السلم : " من حمل ماله وضياعه حمل آثامه يا حلوة "
كانت وحدها .. خرجت ضحكة واحدة طالت حبستها في صدرها .. قالت لنفسها وهى تفتح ذراعيها لأقصاهما : " لن أتحمل من آثامه ومخازيه ولا نصف واحدة ، ولكنى سأتمتع بهداياه أحسن التمتع .. " بعد هذه الجملة لم تنطق ، وراجعت كل ما مر بها منذ الفجر ، حيث طلب منها عوضين أن تعطيه شربة ماء ، قدمت له كوبا ، تجرع منه جرعة ونصف الجرعة ، وأسند رأسه إلى صدرها ، ومات ، صرخت مئات الصرخات ، ولطمت مئات المرات ، وكانت مع الجنازة لم ترض بمن قال أن عليها المكوث فى البيت ، أو تسبق إلى المقابر ، شيعه خمسمائة مشيع ، لتصميم شاهيناز على أن تكون الجنازة مشيا على الأقدام، وعدم استخدام السيارات ، تلك البدعة الجديدة ، خاصة وأن بين بدأ الوداع وبين المقابر كيلوا مترا واحدا لا أكثر ، ومشى رجلان من على اليمين وعلى الشمال يعلنان كل عشر خطوات بصوت يشبه النواح بغير دموع : " سبحان من له الدوام ، يشيع عوضين الجراس إلى مثواه الأخير.. وحدوووووه " وعمل على إكمال دفنه بمقبرته الخاصة خمسة رجال ،
كانوا يُدخلون الجثمان إلى لحده ، مال شاب نحيل على أذن رجل يقف بجانبه وهمس في أذنه : " عوضين كان صفرا ، والصفر رقم ما قبله سالب ، وما بعده موجب !! "
أثناء ذلك حاولت آثامه ومخازيه أن تدخل معه قبره ، إلا أن القائمين على أمر الدفن كانوا نشيطين ، فسدوا فتحة القبر بمستطيل من الرخام ، وثبتوه جيدا بمخلوط الرمل والأسمنت الأبيض ، فلم تستطع الدخول ، فجأة صاح رجل : اهربوا .. آثامه ومخازيه الماضية ستركب أكتافكم .. اهربوا .. جرى الخمسمائة مشيع في دروب المقابر المتشعبة خلال أربع دقائق ، وقفت شاهيناز وحدها تنظر للقبر دقيقة واحدة بعدها أفاقت كأنها نامت واستيقظت في هذه الدقيقة ، جرت تاركة فردة من حذائها انخلعت من قدمها ، عند حافة المقابر وجدت رجلا أبيض اللحية طويلها ، ثقبها بعينين ممتلئتين بفراش يسقط منتحرا على شعلة من نيران بادرها بقوله : " الذنب ذنبنا .. كان يعيش بيننا " كرر الرجل قوله ثانية مغيرا ترتيب كلماته بصوت ممطوط وممتد : " كان يعيش بيننا .. الذنب ذنبنا " وكأنه لم يوجد تبخر فى ثانية ، قالت فى نفسها مرة واحدة لم تقلها بعدها أبدا : " أيريد هذا الشبح أن يحمل أحدا خطايا عوضين ؟! "
ارتعد جسدها ، ونبتت حبات العرق من كل مسامها ، كانت تنظر في كل جهة ، وخاطرها مثقل بظن هذه الآثام والمخازي هل استطاعت أن تسبقها وتدخل من هذا الباب المغلق أو من النوافذ ؟!



















وصفك يفوق الوصف العادي وروحكَ الممتلئة نعمة وجمالاً وعِبرة وانتقاء للأفضل لغة وشكلاً ومضموناً أراها هنا تفوّقت على نفسها وبدت بشكلٍ جميل لا نظير لجماله وروعته, هنا أنت تأتي بالبلاغة العربيّة الجميلة المفحمة التي تحملنا نحو التّسبيح والتهليل والتكبير جراء ما نقرأ, وما نستمتع به من حروف تلامس القلب والواقع بكلِّ جمال وأناقة, هنا أنا أُشيد بلغة القصّة أوّلاً وبذلك الوصف الجميل الأنيق, ما يميّز قصصك حقّاً أنّك في أغلبها على ما أظن تأخذ دور الراوي أو السّارد لا المتقمّص للشخصية والتي تتحدث عن نفسها, وكأنَّ الكاتب هو ذلك يعيش كل أحداث القصّة, وفي سردك وقصّك أيُّها الرواي الراعئ ما يشدّث ويجذب مع أني أحب وأهوى كِلا الطريقتين, هُنا أنت تحدُّثت عن ظاهرة اجتماعية وإنسانيّة متواجدة ليس فقط في مصر وإنما في جميع بلدان العالم, إنما جاءت القصّة هنا ممصّرة مؤلّفة على الواقع الذي يعيشه أهل مصر, بطبيعة الألفاظ والأطعمة المشهورة هناك والمناطق وما إلى ذلك, جميل هذا الفن الّذي يحوِّر القصص ويصوّر حياة شعب ومسار أمة, أحبُّها كثيراً كما أحب التعميم ولكلِّ منهما دوره في عالم القصّة على حسب ما يعرضه الكاتب وما يأتي به..! هنا أنت ركزّت النظر وكثّفته على عبرة ما وعِظّة وكأنّ شأن حياة الأغنياء وكبار وجهاء البلد على هذه الناحية, على ما تكون عليه حياتهم من الفسوق والعصيان إلى ما تصير عليه في نهايتها, تكفيراً على الذنب, وعلّه الله يغفر لهم فإنّه هو الغفور الرحيم, المجيب الدعوة الغافر الذنب ولو كان كزبد البحر, وهنا قد تكون ذنوب بعضهم جمع الزبد, فتصير أزباد البحار والمحيطات, وما عِلق برقبتهم يعرفه الله وحده, والكناية بالمجاز كان ذلك عنوان القصّة, ونحنُ نعلم أنّ هذا العلمين هما من علوم البلاغة في اللغة العربية وهو ذلك العلم المسمى بالبيان وهو الذي يختص بالصّور والأخيلة, والمجاز والكناية هما من فروع التّشبيه, ولكنَّ الكاتب هنا اختار عنواناً مدويَّاً فجاء بكنايته مجازياً, وربط العلاقة بالعلاقة وحمل العلوم نحو الخيال والانطلاق الجميل, قد أكنِّي عن أشياء كثيرة بأشياء مجازية وهنا أقيم علاقة الربط والوصل بين الجمال والأصالة وبين الحادثة والعطاء, هنا حملت لنا هذه القصة عنوانها وفسّرت في طيّات كلماتها ما أردتها, ولكن الباب يظل مواراباً والسؤال بل جواب, و"شاهيناز" ما زلنا نتساءل هل ستنعم وتتنعم بما