كنت عازما على كتابة قصة عن فقد الصديق .. آلمتني الفكرة جدا ، وعتبت على ذاكرتي التي تميل إلى التشدد ، وعدم ترك فرجة لمرور طائر حبيس في قفص ، فالطيور خلقت كي تطير ، أقول هذا وأنا متيقن أن للطائر عشا ، سوف يؤوب إليه قصر الوقت أو طال ، لجأت إلى صديق آخر وجدته يشكو من تقلبات الزمان – لا أتذكر بالضبط أقال الزمان، أم قال الزمن – الآن وأنا أكتب رأيت أن الزمان هو الموغل في القدم ، ويستدعى هذا الرجوع إلى مئات السنين ، أما الزمن فهو ما نعيش فيه ، انفرجت أساريري ، وابتسمت لأني تذكرت أن صديقي الذي لجأت إليه قال لي : " دائما ما تهاجمني أمور دهشة أقف أمامها مخدرا ، فتدهمني الأمور تحت سنابكها ، وأعبر من الدهشة إلى الحزن العتيد وأقول هذا زمن متلون الأخلاق ، مهدم البنيان ، وعيون الشر فيه مستيقظة ، والخير فيه نائم ، ولا ينطق به إلا بشكوى أو توقع بلوى " كان أنف صديقي قد مرت به عدة تقلصات، بعدها انطلقت عطساته، ثلاث عطسات متتابعة الانفجار استقبلها بين راحتيه ، وخفت أنا من سلامه عند انتهاء لقائي به ، نظر إلى وهو يمسح تلك الدموع ، كان يقول : " عندي حساسية .. أكيد هاجمت أنفى رائحة لشيء ما !! "
هاجمت صديقي رائحة هيجت جيوبه الأنفية ، وهاجمتني أنا فكرة الكتابة عن السلطان قنصوة الغورى .. " كولة كولة, سالامتلا " ، كتبتها هكذا باللغة التركية آملا ألا يسارع أحد الكتاب باتهامي بأنني أفعل ذلك متعمدا ، وهو يعرف أن إجادتي للغة التركية تكاد تساوى الصفر ، ليصبر إلى الجملة الآتية ، وهى : هل قالها - كولة كولة, سالامتلا أى مع السلامة- أحد من العثمانيين لحظة التأكد من موت قنصوة ؟! ففي عرف الحروب القديمة أنها تنتهي بموت أحد القائدين نظرا لما يحدثه موت القائد من إحباط لدى الجند ، ومع أن إسحق نيوتن لم يكن موجودا بعد - وهذا يؤكد أن القوانين موجودة قبل أن يوجد العلماء أو الأدباء - فإن ردة فعل جنود قنصوه حينما سمعوا طلقات المدافع ، وهم لم يسمعوا بها من قبل أو يعلمون بوجودها ، جاءت ردة الفعل كأنهم يقولون جاءت منك لا منى تبريرا لهذا الفرار المخزي ، هل نجح صوت هذه المدافع في قلب قانون نيوتن الثالث ، وتحويل رد الفعل إلى فعل يستحق بدوره رد فعل من قبل قوات العثمانيين ؟ نعود للقانون نفسه قبل معرفة ما حدث من جنود قنصوه مع طلقات المدافع ، لكل فعل رد فعل مساو له في المقدار ، ومضاد له فى الاتجاه ، ومن هنا ينشأ الاتزان ، إلا أن عين هذا الشيء هو ما جعل جنود قنصوة ينزعجون ، ويرتاعون ، فهم لم يعرفوا من أدوات الحرب إلا السيوف والرماح ، كان حريا بهم أن يصمدوا ، أن يذهبوا للأمام ليعرفوا حقيقة هذه الأصوات الغريبة على أسماعهم، أين المقولة ؟ أين ؟ هذه ساحة المعركة ، ألم يكن بها حوار ؟!
كان هناك حوار طريف ودموي بالطبع وسط الارتباك ، وسقوط القتلى صرخ قنصوة في مماليكه وطواشيه : " يا ملاعين خرب الله أبدانكم .. اثبتوا وسوف يكتب لنا النصر " بادله بعض المماليك القريبين منه صراخا بصراخ أعلى وأشد : " أيها الخرف ألا ترى الزلازل والبراكين والحمم ؟! " عاد قنصوة الغوري يصرخ : " هي بدعة أحدثها العثمانيون .. " لم يعرف أحد الكلمات التالية التي كانت ستخرج من فم قنصوة إذ أن جواده أصابه أيضا الفزع من انفجار قذيفة مدفع بقربه ، فحمحم هائجا محاولا إلقاء راكبه ، والفرار خفيفا من حمله ، سقط قنصوة ، وداسته أقدام مماليكه وطواشيه مع أقدام الخيول ، والمؤكد أن شظايا جثته عادت إلى مصر مع هؤلاء وهى تحمل رائحة هزيمة متوقعة !!
استقر رأيي على كتابة قصة رائحة هزيمة متوقعة ، وشاهدت نفسي حاضرا دخول بهاء الدين قراقوش " القصر " فكأننا دخلنا مدينة ، انطلق لساني حرا بلا ضابط منى وأنا أتمايل من جانب لجانب : " على بابا .. على بابا " وارتفع صوتي وأنا أواصل مناحتي ، حتى وصل إلى صياح ظاهر : " ذهب .. ياقوت .. مرجان .. من أين ؟! من أين ؟! " وارتج على ، فسكت فجأة ، ربت على كتفي القائد قراقوش مبتسما : " من بر مصر يا خفيف .. اثبت " لم أثبت لأنني تطوحت في مكاني ، ولم أتنبه من دوختى إلا برائحة عطر نفاذة ، كان الجند يفركون وجهي به ، ويقربون فوهة قنينة من أنفى ، انطلقت في الصياح مرة أخرى قبل أن أقف على قدمي : " لو أن عشرة لصوص أخذوا من هذا ما تخفيه الثياب فقط ، لخرج كل منهم بغنى الدهر " كان الجند من حولي يتضاحكون ، صرخ فيهم بهاء الدين قراقوش ، فامتنعوا فورا عن الهذر ، تقدم منى ، وقبض بعنف على عضضى ، اقترب منى ، ورأيت عينيه حمراوتين ، أسرعت أقول : " أنا والله .. أنا .. !! " بلعت لساني من ذهول سيطر على كياني ، وتقافزت دهشة بفؤادي ، كنت أنظر إلى ما يشبه عرش الطاووس شغل بنوادر اليواقيت والجواهر ومن الصنعة العجيبة ، وكنت أدوس على بسط منسوجة بخيوط الذهب ، وأتعثر في حلى وكئوس وثريات ، همس أحد الجند فى أذني ملتفتا بحذر نحو قائده بهاء الدين قراقوش : " أنت تنظر رأسا إلى العرش الفاطمي " لم يكن وجه بهاء الدين كوجهي ، كان وجها مهموما بحمل هذا الثقل ، صاحبته أكثر من أسبوعين دون الكتبة كل ما أحصى ، لم يترك صغيرة أو كبيرة ضئيلة أو ضخمة إلا مرت عليه قبل أن تدون ، وختم بالشمع الأحمر على أبواب القصر ، آخذا معه قرطاسه إلى صلاح الدين الأيوبي ، بعد أن وزع جنده المخلصين حراسا ، وأكد لهم أنه سوف يعود لمشاركتهم الحراسة ، قلت له : " ألا تتعب ؟! لماذا لا ينوب عنك أحد جندك ؟ " استمع إلى ، كان يفكر، قال : " اسمع .. أنت من زمن آخر عليك مغادرتي فورا ، أنا لست محلا للفحص والتأمل لتعطى شهادتك لي أو على " حاولت المماطلة لكسب بعض الوقت ، أخذت أفرقع أصابعي ، حتى أن بعض جنده أخذوا يقلدونني ، وامتلأ الفضاء بفرقعة الأصابع ، فجأة انقض على ممسكا بسروالي ، وهو يصرخ " اخلع هذا أيها اللص " حاولت الظهور بالغضب : " أيها القائد تأدب .. كيف تطلب منى هذا ؟! " تلقيت زغدة في صدري وحولي سيوف تلمع نصالها، وتشق الهواء قريبة من أنفى ، متداخلة مع صوت قراقوش : " ما هذه الشخللة التي أسمعها تأتى من جيوبك ؟ " أدخلت رقبتي بين أكتافي ، وأنا أبتلع ريقي : " لست لصا ، أنا حملت تذكارا صغيرا "
راقبت بهاء الدين قراقوش ، بعد أن أخذ منى دينارين ذهبيين ، مع صفعة ، راقبته ، وهو يفتح أبواب القصر مرة أخرى ، ويعيد الدينارين ، ويفتح قرطاسه ليضيفهما للجمع السابق، ثم أعاد غلق الأبواب ، مع إسالة الشمع الأحمر وختمه بخاتم مولاه صلاح الدين، كنت أتبع مسيرته ، وهو يصعد إلى القلعة ، عند الساحة الخارجية ، رأيته يتوقف أمام " ابن مماتي " ابتسمت ، وأنا أقترب قلت لنفسي : " صاحب سيف يقابل صاحب قلم !! "
كنت أشم رائحة هزيمة متوقعة ، وعشرة آلاف دينار تتساقط جعلها الأول فدية لحريته من أسر الفرنجة ، وجعلها الثاني عورة لابد من سترها ، قال ابن مماتي : " الترحم عليك وقراءة الفاتحة موهوبة لروحك كانت أفضل .. "
علت وجه بهاء الدين موجة غضب ، وهو يقول : " فديت نفسي ، ولم أشتر جارية رومية أتدله بعشقها "
كان التعريض واضحا ، ويمس ابن مماتي الذي جذ على أسنانه ، اقترب الوجهان ، وتكورت اليدان حول مقبض سيف صاحبها ، كان الهواء يدوم حولهما برائحة هزيمة متوقعة ، انتقل التوتر إلى جنود كل من بهاء الدين ، وابن مماتي ، خرج سيف من غمده، وتبعه سيف ، نظر كل منهما بطرف عينه للتابع الذي يخصه ، فأغمد السيفان على الفور، عجبت من أهل هذا الزمان ، وكيف يديرون معاركهم ، لم أجد فرقا بيننا وبينهم ، وكنت أظن أن هناك فرق !! ندبر ونلسع في الخفاء ، وهم مثلنا في البغض والعداء ، تمنيت وشريط ذاكرتي يعدو بكل معاركي، وانتكاساتي أن يرى أهل زمني حقيقة الصراع .. أقلت صراعا ؟! ضحكت جدا من تلك الأملوحة التي حملها شريط ذاكرتي ضمن ما حمل ، كان الرجل يجلس خلف ذلك الشاب الجالس أيضا فوق صخرة عالية تطل على البحر ، كان الرجل مندفعا بحرارة الموعظة ، تتدفق كلماته تفلق الحجر بقوة بلاغتها، حتى أن هذا الواعظ تأثر بحرارة كلماته فتساقطت دموعه ، فى التفاتة نحو الشاب هاله أن يرى وجهه بلا أي تأثر ، عندها اكتشف الرجل الواعظ علة الشاب ، وكان أول مرة يلتقي بالبحر ، ظل على دهشة وهو يرى أمواج البحر المتلاحقة ، ويتساءل من أين تأتى وأين تذهب ؟! يضاف إلى ذلك أن الشاب كان أصم في الأصل !!
قال قراقوش: " لا تتحداني يا صديقي .. ألست صديقي يابن مماتي ؟ "
لعب ابن مماتي في شعر ذقنه ، ومصمص : " أمسك عليك قولك .. صديقك له حق عليك "
ارتفع صوت مؤذن يؤذن لصلاة الظهر ، مع قول بهاء الدين : " لن أشارك في مؤامراتك يابن مماتي "
صاعدا نحو القلعة ، صاح ابن مماتي في إثره : " أنا أقبل تحديك يا قراقوش ، جثتك لا حاجة لى بها إنها للدود .. سوف أقتل صفاءك وأمانتك ، وأقتل ذكاءك ، سأجعل تاريخك لعنة يصاحبها الضحك والسخرية .. انتظر سوف ترى "
قابلت بائع الكتب ، ناداني وعيونه خلف نظارته الطبية تلمع ، بادرني بقوله : " عندي لك خبيئة " استدار داخل دكانه ، وعاد يلوح به ضاحكا : " الفاشوش في حكم قراقوش "
كانت هزيمة ابن مماتي مؤلف الكتاب لبهاء الدين ناصعة ، وأنا أطوى الأوراق ، كان البائع خلف كتفي يقرأ بعض نوادره ويصهلل ضاحكا ، التفت إليه ، قال : " هكذا تدور الدوائر لقد قتله ابن مماتي شر قتلة !! "
قلت : " السيف يبتر .. الكلمة تبقى .. "
كنت راغبا في إنهاء قصتي محتفظا ببعض الغموض ، مسايرا في ذلك لغموض الحياة ذاتها معولا على رؤية القارئ وتفعيله لقانون رد الفعل بحثا عن الاتزان .. وهكذا انتهت ..








said:












من مصر