الكاتب
فى القص ليس ثمة قيود
ملح على كبريت

 

كنت عازما على كتابة قصة عن فقد الصديق .. آلمتني الفكرة جدا ، وعتبت على ذاكرتي التي تميل إلى التشدد ، وعدم ترك فرجة لمرور طائر حبيس في قفص ، فالطيور خلقت كي تطير ، أقول هذا وأنا متيقن أن للطائر عشا ، سوف يؤوب إليه قصر الوقت أو طال ، لجأت إلى صديق آخر وجدته يشكو من تقلبات الزمان – لا أتذكر بالضبط أقال الزمان، أم قال الزمن – الآن وأنا أكتب رأيت أن الزمان هو الموغل في القدم ، ويستدعى هذا الرجوع إلى مئات السنين ، أما الزمن فهو ما نعيش فيه ، انفرجت أساريري ، وابتسمت لأني تذكرت أن صديقي الذي لجأت إليه قال لي : "  دائما ما تهاجمني أمور دهشة أقف أمامها مخدرا ، فتدهمني الأمور تحت سنابكها ، وأعبر من الدهشة إلى الحزن العتيد وأقول هذا زمن متلون الأخلاق ، مهدم البنيان ، وعيون الشر فيه مستيقظة ، والخير فيه نائم ، ولا ينطق به إلا بشكوى أو توقع بلوى " كان أنف صديقي قد مرت به عدة تقلصات، بعدها انطلقت عطساته، ثلاث عطسات متتابعة الانفجار استقبلها بين راحتيه ، وخفت أنا من سلامه عند انتهاء لقائي به ، نظر إلى وهو يمسح تلك الدموع ، كان يقول : " عندي حساسية .. أكيد هاجمت أنفى رائحة لشيء ما !! "

هاجمت صديقي رائحة هيجت جيوبه الأنفية ، وهاجمتني أنا فكرة الكتابة عن السلطان قنصوة الغورى  .. " كولة كولة, سالامتلا " ، كتبتها هكذا باللغة التركية آملا ألا يسارع أحد الكتاب باتهامي بأنني أفعل ذلك متعمدا ، وهو يعرف أن إجادتي للغة التركية  تكاد تساوى الصفر ، ليصبر إلى الجملة الآتية ، وهى : هل قالها - كولة كولة, سالامتلا أى مع السلامة- أحد من العثمانيين لحظة التأكد من موت قنصوة ؟! ففي عرف الحروب القديمة أنها تنتهي بموت أحد القائدين نظرا لما يحدثه موت القائد من إحباط لدى الجند ، ومع أن إسحق نيوتن لم يكن موجودا بعد - وهذا يؤكد أن القوانين موجودة قبل أن يوجد العلماء أو الأدباء - فإن ردة فعل جنود قنصوه حينما سمعوا طلقات المدافع ، وهم لم يسمعوا بها من قبل أو يعلمون بوجودها ، جاءت ردة الفعل كأنهم يقولون جاءت منك لا منى تبريرا لهذا الفرار المخزي ، هل نجح صوت هذه المدافع في قلب قانون نيوتن الثالث ، وتحويل رد الفعل إلى فعل يستحق بدوره رد فعل من قبل قوات العثمانيين ؟ نعود للقانون نفسه قبل معرفة ما حدث من جنود قنصوه مع طلقات المدافع ، لكل فعل رد فعل مساو له في المقدار ، ومضاد له فى الاتجاه ، ومن هنا ينشأ الاتزان ، إلا أن عين هذا الشيء هو ما جعل جنود قنصوة ينزعجون ، ويرتاعون ، فهم لم يعرفوا من أدوات الحرب إلا السيوف والرماح ، كان حريا بهم أن يصمدوا ، أن يذهبوا للأمام ليعرفوا حقيقة هذه الأصوات الغريبة على أسماعهم، أين المقولة ؟ أين ؟ هذه ساحة المعركة ، ألم يكن بها حوار ؟!

كان هناك حوار طريف ودموي بالطبع وسط الارتباك ، وسقوط القتلى صرخ قنصوة في مماليكه وطواشيه : " يا ملاعين خرب الله أبدانكم .. اثبتوا وسوف يكتب لنا النصر " بادله بعض المماليك القريبين منه صراخا بصراخ أعلى وأشد : " أيها الخرف ألا ترى الزلازل والبراكين والحمم ؟! " عاد قنصوة الغوري يصرخ : " هي بدعة أحدثها العثمانيون .. " لم يعرف أحد الكلمات التالية التي كانت ستخرج من فم قنصوة إذ أن جواده أصابه أيضا الفزع من انفجار قذيفة مدفع بقربه ، فحمحم هائجا محاولا إلقاء راكبه ، والفرار خفيفا من حمله ، سقط قنصوة ، وداسته أقدام مماليكه وطواشيه مع أقدام الخيول ، والمؤكد أن شظايا جثته عادت إلى مصر مع هؤلاء وهى تحمل رائحة هزيمة متوقعة !!

استقر رأيي على كتابة قصة رائحة هزيمة متوقعة ، وشاهدت نفسي حاضرا دخول بهاء الدين قراقوش " القصر " فكأننا دخلنا مدينة ، انطلق لساني حرا بلا ضابط منى وأنا أتمايل من جانب لجانب : " على بابا .. على بابا " وارتفع صوتي وأنا أواصل مناحتي ، حتى وصل إلى صياح ظاهر : " ذهب .. ياقوت .. مرجان .. من أين ؟! من أين ؟! " وارتج على ، فسكت فجأة ، ربت على كتفي القائد قراقوش مبتسما : " من بر مصر يا خفيف .. اثبت "  لم أثبت لأنني تطوحت في مكاني ، ولم أتنبه من دوختى إلا برائحة عطر نفاذة ، كان الجند يفركون وجهي به ، ويقربون فوهة قنينة من أنفى ، انطلقت في الصياح مرة أخرى قبل أن أقف على قدمي : " لو أن عشرة لصوص أخذوا من هذا ما تخفيه الثياب فقط ، لخرج كل منهم بغنى الدهر " كان الجند من حولي يتضاحكون ، صرخ فيهم بهاء الدين قراقوش ، فامتنعوا فورا عن الهذر ، تقدم منى ، وقبض بعنف على عضضى ، اقترب منى ، ورأيت عينيه حمراوتين ، أسرعت أقول : " أنا والله .. أنا .. !! " بلعت لساني من ذهول سيطر على كياني ، وتقافزت دهشة بفؤادي ، كنت أنظر إلى ما يشبه عرش الطاووس شغل بنوادر اليواقيت والجواهر ومن الصنعة العجيبة ، وكنت أدوس على بسط منسوجة بخيوط الذهب ، وأتعثر في حلى وكئوس وثريات ، همس أحد الجند فى أذني ملتفتا بحذر نحو قائده بهاء الدين قراقوش : " أنت تنظر رأسا إلى العرش الفاطمي " لم يكن وجه بهاء الدين كوجهي ، كان وجها مهموما بحمل هذا الثقل ، صاحبته أكثر من أسبوعين دون الكتبة كل ما أحصى ، لم يترك صغيرة أو كبيرة ضئيلة أو ضخمة إلا مرت عليه قبل أن تدون ، وختم بالشمع الأحمر على أبواب القصر ، آخذا معه قرطاسه إلى صلاح الدين الأيوبي ، بعد أن وزع جنده المخلصين حراسا ، وأكد لهم أنه سوف يعود لمشاركتهم الحراسة ، قلت له : " ألا تتعب ؟! لماذا لا ينوب عنك أحد جندك ؟ " استمع إلى ، كان يفكر، قال : " اسمع .. أنت من زمن آخر عليك مغادرتي فورا ، أنا لست محلا للفحص والتأمل لتعطى شهادتك لي أو على " حاولت المماطلة لكسب بعض الوقت ، أخذت أفرقع أصابعي ، حتى أن بعض جنده أخذوا يقلدونني ، وامتلأ الفضاء بفرقعة الأصابع ، فجأة انقض على ممسكا بسروالي ، وهو يصرخ " اخلع هذا أيها اللص " حاولت الظهور بالغضب : " أيها القائد تأدب .. كيف تطلب منى هذا ؟! " تلقيت زغدة في صدري وحولي سيوف تلمع نصالها، وتشق الهواء قريبة من أنفى ، متداخلة مع صوت قراقوش : " ما هذه الشخللة التي أسمعها تأتى من جيوبك ؟ " أدخلت رقبتي بين أكتافي ، وأنا أبتلع ريقي : " لست لصا ، أنا حملت تذكارا صغيرا "

راقبت بهاء الدين قراقوش ، بعد أن أخذ منى دينارين ذهبيين ، مع صفعة ، راقبته ، وهو يفتح أبواب القصر مرة أخرى ، ويعيد الدينارين ، ويفتح قرطاسه ليضيفهما للجمع السابق، ثم أعاد غلق الأبواب ، مع إسالة الشمع الأحمر وختمه بخاتم مولاه صلاح الدين، كنت أتبع مسيرته ، وهو يصعد إلى القلعة ، عند الساحة الخارجية ، رأيته يتوقف أمام " ابن مماتي " ابتسمت ، وأنا أقترب قلت لنفسي : " صاحب سيف يقابل صاحب قلم !! "

كنت أشم رائحة هزيمة متوقعة ، وعشرة آلاف دينار تتساقط جعلها الأول فدية لحريته من أسر الفرنجة ، وجعلها الثاني عورة لابد من سترها ، قال ابن مماتي : " الترحم عليك وقراءة الفاتحة موهوبة لروحك كانت أفضل .. "

علت وجه بهاء الدين موجة غضب ، وهو يقول : " فديت نفسي ، ولم أشتر جارية رومية أتدله بعشقها "

كان التعريض واضحا ، ويمس ابن مماتي الذي جذ على أسنانه ، اقترب الوجهان ، وتكورت اليدان حول مقبض سيف صاحبها ، كان الهواء يدوم حولهما برائحة هزيمة متوقعة ، انتقل التوتر إلى جنود كل من بهاء الدين ، وابن مماتي ، خرج سيف من غمده، وتبعه سيف ، نظر كل منهما بطرف عينه للتابع الذي يخصه ، فأغمد السيفان على الفور،  عجبت من أهل هذا الزمان ، وكيف يديرون معاركهم ، لم أجد فرقا بيننا وبينهم ، وكنت أظن أن هناك فرق !! ندبر ونلسع في الخفاء ، وهم مثلنا في البغض والعداء ، تمنيت وشريط ذاكرتي يعدو بكل معاركي، وانتكاساتي أن يرى أهل زمني حقيقة الصراع .. أقلت صراعا ؟! ضحكت جدا من تلك الأملوحة التي حملها شريط ذاكرتي ضمن ما حمل ، كان الرجل يجلس خلف  ذلك الشاب الجالس أيضا فوق صخرة عالية تطل على البحر ، كان الرجل مندفعا بحرارة الموعظة ، تتدفق كلماته تفلق الحجر بقوة بلاغتها، حتى أن هذا الواعظ  تأثر بحرارة كلماته فتساقطت دموعه ، فى التفاتة نحو الشاب هاله أن يرى وجهه بلا أي تأثر ، عندها اكتشف الرجل الواعظ علة الشاب ، وكان أول مرة يلتقي بالبحر ، ظل على دهشة وهو يرى أمواج البحر المتلاحقة ، ويتساءل من أين تأتى وأين تذهب ؟! يضاف إلى ذلك أن الشاب كان أصم في الأصل !!

 قال قراقوش:   " لا تتحداني يا صديقي .. ألست صديقي يابن مماتي ؟ "

لعب ابن مماتي في شعر ذقنه ، ومصمص : " أمسك عليك قولك .. صديقك له حق عليك "

ارتفع صوت مؤذن يؤذن لصلاة الظهر ، مع قول بهاء الدين : " لن أشارك في مؤامراتك يابن مماتي "

صاعدا نحو القلعة ، صاح ابن مماتي في إثره : " أنا أقبل تحديك يا قراقوش ، جثتك لا حاجة لى بها إنها للدود .. سوف أقتل صفاءك وأمانتك ، وأقتل ذكاءك ، سأجعل تاريخك لعنة يصاحبها الضحك والسخرية .. انتظر سوف ترى "

قابلت بائع الكتب ، ناداني وعيونه خلف نظارته الطبية تلمع ، بادرني بقوله : " عندي لك خبيئة " استدار داخل دكانه ، وعاد يلوح به ضاحكا : " الفاشوش في حكم قراقوش "

كانت هزيمة ابن مماتي مؤلف الكتاب لبهاء الدين ناصعة ، وأنا أطوى الأوراق ، كان البائع خلف كتفي يقرأ بعض نوادره ويصهلل ضاحكا ، التفت إليه ، قال : " هكذا تدور الدوائر لقد قتله ابن مماتي شر قتلة !! "

 قلت : " السيف يبتر .. الكلمة تبقى .. "

كنت راغبا في إنهاء قصتي محتفظا ببعض الغموض ، مسايرا في ذلك لغموض الحياة ذاتها معولا على رؤية القارئ وتفعيله لقانون رد الفعل بحثا عن الاتزان  .. وهكذا انتهت ..

 

 

 

 

 


ابن مماتى



أضف تعليقا

اضيف في 13 ابريل, 2008 02:31 م , من قبل خالد الصاوي
من مصر said:

الصديق الكاتب الواعي المثقف محسن يونس
لقد دخلت معك أروقة التاريخ ممتزجة بالواقع واستطيعت أيها الصديق أن تتخذ من أسلحتك في التعبير ووسائلك في الإبداع أن تأخذنا عبر عوالم زمنية وتاريخية في تلاحم بيننا وبينها ووجدتني أخرج من دائرة لدائرة أخرى محتفظا بالخيط السردي الواحد واللون الفكري والشعوري الواحد دون أن أحس غربة بين عالم أو آخر ألم أقل لك أنت تحتاج لتفرغ كامل لمتابعتك ومتابعة إبداعك الجيد فأنا أول ما دخلت اليوم فتحت هذه المدونة فأخذت وجبة شهر كامل من الإبداع والثقافة
سيدي أرجو أن تدلني عن روايتك التي صدرت وكيفية الحصول عليها مازلت أشعر بأنني أرغب في الغوص في عالمها كلية
سيدي وصديقي أرجو منك أن تدخل على بعض مدونات المبدعين الشباب حتى يتعرفوا على إبداعك علنا ننير لهم طريق الإبداع ونأخذهم عبر عوالم من الإبداع الجيد الذي يطورهم بدلا من اعتمادهم على تصفيق المصفقين وعدم تطورهم
أشكرك وأعتذر عن الاطالة

اضيف في 29 مايو, 2008 06:13 م , من قبل osamau333
من مصر said:

صفحتك جميلة والله يا اخي وانت كاتب كبير وشكرا علي موضوعك يا اخي



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية