الكاتب
فى القص ليس ثمة قيود
فصل من رواية بيت الخلفة

دور امش وتفرج

                 ...................................................

رأيت " فؤاد " صاحب بوتيك " ماجستك " ، فى اللحظة التى فيها قتل .

كان يقف على بابه يضاحك البنت " عطا " ، تشتغل عنده ، تمضغ اللبان ، وتمسك بيدها مرآة، وبيدها الأخرى تنتف الشعر من وجهها بملقاط ، جاءت إلى حيث يقف فى الشمس .

فؤاد تطلع إليها مدة ، ثم ذهبت يده إلى مكان فى جسمها ، وخبشه ، صرخت هى، وهو ضحك ، قالت ، وهى تغنج : اسكت .. عيب .

صاحب البوتيك قال لها الكلام المكشوف عن الشعر والمكان والفائدة ، البنت ضحكت ، وتوقفت عن اللقط ، قالت : آه منك ، وهو قال : ودى أكحل عينى ، قالت له : ودك غويط، قال لها : يا ماكرة ، دم الوطواط ؟!

البنت قالت أهلها ذبحوا لها ، فؤاد صاح : أشوف ، وشلح فستانها ، ضربته على ظاهر يده، ناخت ، وهى تأخذ خطوة للخلف ، وشدت فستانها على أوراكها.

ضحكات صاحب البوتيك انكسرت ، لأن الرصاص انطلق ، جاء من بين آخر بنايتين فى غيط القبايبة ، وبعدهما قطعة الأرض ما زالت مزروعة بالقصب ، و الأرز ، وتخرم الجسد .

البنت عطا انذهلت فى البدء ، وفؤاد الرصاص لما صدمه عيونه تجمدت على جحوظ دهش، أحد يخزقها ، فتخرج من مكانها ، وتندلق على الرصيف ، قال : آه .. ومشى ثلاث خطوات، نزل الرصيف إلى بحر الشارع ، ولا شىء ، وقع ، والموت يقبضه ، ويبسطه ، والسوق ، وشارع البوتيكات مع صوت الرصاص سكت ، وإذ انتهى ، وفؤاد وقع ، السوق انقلب .

البنت عطا رجعت هى الأخرى إلى نفسها ، وبسرعة تحركت ، دخلت ، وفتحت خزينة البوتيك ، كبشت جميع الفلوس منها ، ودستها بين نهديها ، وخرجت مندفعة ، تعثرت فى المقتول ، عاينته من فوق ، خنقة القميص انفتحت ، ولمعت أونصة من الذهب معلقة بسلسلة ، تلف حول الرقبة ، ووجه فؤاد الأبيض الحليق مفتوح الفم ، تحيط به عوارض شعرها كثيف ، ينزل حتى صدغيه ، وراحة يده اليمنى ، الأصابع مدورة بخواتم لها فصوص، نامت على صدره قرب خرم ينز منه الدم .

البنت مالت وجذبت الأونصة بعنف ، انقطعت السلسلة ، وهى لملمتها فى كفها ، وفى نفس موضع الفلوس أخفتها ، رفعت رأسها ، أصحاب البوتيكات والناس يأتون من كل الشوارع ، ومن البيوت ، تلفتت تمشى ، وترجع ، تمشى وترجع ، قررت أخيرا ، وانحنت، ملصت خاتمين من الأصابع بلهوجة ، يدها تخضبت بالدم، هبت تنترها .

" تيمور " صاحب بوتيك " فانتازية " صاح : امسكوا البنت .

وقفز فوق الجثة ، وحلق على البنت عطا بذراعيه ، ثم أمسكها .

البنت نظرت إلى قبضته على القماش فوق ثديها ، قربت وجهها من وجهه ، جذت على أسنانها ، وطلع صوتها بلهجة : يا نجس أفضحك و الله ..

تيمور أطلقها بمجرد أن قالت ، والبنت لم تتزحزح ، والتف الناس فى حلقة ، وتيمور أول واحد راح إلى الجثة ، قرفص بجانبها ، ومد يده تفتش فى الجيب الداخلى للسترة .

الست " أسمهان " تاجرة الشنطة سافرة ، ووجهها مكشوف ، صاحت عليه ألا يمس أى شىء ، الحكومة تأتى لها شغلها .

تيمور اغتاظ منها ، ونظر إليها من فوق كتفه ، وقال : يا ام العريف الحكومة لها منه الجثة.. وابتسم ، وهو يخرج من الجيب يده عامرة .. قطعة الحشيش وزنها على كفه ، ربع الكيلو جراما ، تشممها ، وصفر ، والناس لما رأوا ، اندفعوا فى هوجة ، الست أسمهان رفعت ذراعيها فى الهواء ، ومنعت الاقتراب، زعق رجل على تيمور : استر .. ربك أمر بالستر .

تيمور لم يهتم ، فى طلعة يده التالية أخرج آلة زجاجية ، على هيئة كرة مفرغة، من طبقتين مركبتين فوق بعضهما البعض ، فى تكويرة واحدة منهما مسمار صغير مصنع من الزجاج المجوف .

" عصمت " صاحب بوتيك " بيبر أند ماوس " تساءل أى شىء هذا ؟ تيمور شخر، وزغده فى جنبه ، وقال له إنه يستعبط ، ثم قال لما وجده فعلا لا يفهم : لزوم تدخين الخام يا مغفل.

عصمت قال إن عنده صورة لرجل صينى من القرن الماضى ، يدخن الأفيون ، تيمور دفع وجهه بعيدا ، وهو يقول : الأفيون له شىء ، والحشيش له شىء ، ولكل شعب مزاج .

عصمت حشر نفسه وهو يرى صاحبه يضع قطعة الحشيش ، والآلة الزجاجية فى جيبه ، فأمسك بيد تيمور ، وأدخل يده هو ، فلما سحبها والناس تتفرج ، انفرطت منها كومة من الصور المصورة ، استقرت على الجثة ثلاث صور منها، واحدة على الصدر ، وواحدة على البطن ، وواحدة على الكتف ، تحقق الاثنان ، التى على البطن تخص بنتا من البلدة ، يعرفانها، عارية وفى وضع .

البنت عطا هجمت قبل أن يتأمل أحد فى الباقيات ، وأخذتهم ، ثم هجمت ثانية على يد عصمت، أمسك جيدا بالكومة التى معه ، وضربها فى صدرها ، تطوحت البنت ، وداست على أرجل الجثة ، وهى مشتبكة عضت اليد بأسنانها ، عصمت ترك لها الصور ، وهو يصرخ ويوحوح ، البنت بسرعة مزقتها ، ورمت بالمزق فوق رؤوس الناس ، كل واحد أخذ مزقة ينظر فيها ، ضحكت البنت ، وهمست فى أذن الست أسمهان ، التى زعقت بعد الهمس : يا حرامية ، ولطست تيمور بكفها اللحيمة المهولة ، فاندك الرجل ، وهو واقف فى مكانه ، وتزلزل ، والنسوان كن خلف الرجال يتفرجن ، خرقن الصفوف ، وجئن عند الجثة ، قعدن عند الرأس والصدر وعند الرجلين ، وعيطن .

تيمور أخرج مسدسه من تحت ثيابه ، وأطلق رصاصة فى الهواء ، صرخت الست أسمهان، حين تراجع الناس ، فارتج المكان من صرختها ، حتى الجثة بدا أنها تحركت ، أشارت إلى تيمور : جبان ، يهوش .. فسكن الناس .

أصحاب البوتيكات جعلن النسوان يبتعدن غصبا ، وتحلقوا هم حول الجثة .. الست أسمهان، والبنت عطا قالتا للجميع : اهجموا ، لأنهما شاهدتا " حمادة أبو جبل " صاحب فؤاد ، يسهر معه الليل ، ويخرجان للمغامرات ، يدس يده فى جيب من جيوب الجثة خلسة لم يعبث به تيمور ، أو عصمت ، وتأتى يده برزمة من أوراق الدولارات ، أخفاها فى عبه .

اشتعلت الست ، وتحمست البنت ، وجاءت الهجمة أطاحت بتيمور ومسدسه ، وعصمت زعق بصوت مكتوم : هوا .. هوا .. رأسه اندفست فى لحم الست أسمهان ، قعدت عليه بمقعدتها ، وأخذت تلطم مؤخرته ، ارتفع التراب ، وامرأة من النسوان داخت من الزمتة ، رفعت حجرا من الأرض ، وقذفته ، تيمور صرخ، وأمسك وجهه ، وانبثق الدم من جرح ، تخلق فورا أعلى حاجبه ، والنسوان وبعض الرجال اكتشفوا السلاح ، وتشجعوا إذ رأوا هذا الجسد الذى ليس مثله فى العباد ، ولا فى البلاد : الست أسمهان .. جعرت حينما رأت دم تيمور : أشرب من دمه .. أشرب من دمه ..

النسوان تشبثن بها ، وتيمور يبتعد عن وجهها ، وفمها الزبد ، العفية تجر النسوان ، وتصيح : أشرب من دمه .. أشرب من دمه ، وتلحس أصابعها ، وهى وسط هذا كله سمعت صوت رجل ، كأنه يتكلم فى أذنها ، يقول : مسخرة ونهب علنى ، فانتبهت إليه ، وهو يتعلق بها من الخلف ، ويدخل فى مؤخرتها .

فى هذه اللحظة عصمت عوى ، وانقلب على الأرض يدور ويمسحها ، يرفس برجليه ، ويدخل يديه بين ساقيه ، يخلعهما ويدخلهما ، يفز ويقعى ، الحجر قذفته البنت عطا أصاب رأس عضوه ، كأنه مقصود ، قهقهات الست أسمهان جعلت لحمها يرتج ، لأنها وعت أين ذهب الحجر وأعطب .

كانت الست أسمهان كلما ارتج لحمها ، الرجل اللابد فى لحمها يرتج ، ذكر ضئيل يحتوى فحلة !!

انسرقت روح عصمت ، وحمله اثنان من أصحاب البوتيكات بعيدا ، عند شجرة الجميز الوحيدة الشاهدة على زمن غيط القبايبة .

عصمت تحامل وطلب من زميليه أن يعودا ، يريد أن يخلع ويكشف ، يخجل من وجودهما، تركاه ، وحينما اطمئن هب من رقاده ، ودخل إلى بوتيك " ماجستك " المفتوح الباب .

تيمور وضع على الجرح شريطا من الشرائط اللاصقة ، وصفق بيديه ، وأمر الجميع أن يذهب كل فرد لحاله ، والست أسمهان كلمت الرجل اذى يركبها من الخلف ، قالت له : انزل يا حبيبى ترتاح . الرجل أطاعها بلا أية مماطلة ، حتى أنه أسرع يخرج من السوق ، يخترق شارع البوتيكات ، حيث بنايات البيوت المتراصة على جانبيه ، واختفى بينها ، ثم هى أخرست الأفواه ، وأماتت بعض الضحكات ، تحركت بجرمها العجيب ، ووسدت ثدييها بيديها، فقام كل ثدى بعد ثدى فى مكانه ، ورغم ذلك هذا صدرها يتسع ليرقد عليه رجلان بالتمام ، دون مزاحمة ، صاحت على تيمور : يا حبيبى إفهم .

تيمور شتم ، وهى ترقصت ، وقالت له إن صوته يشبه صوت الطيور التى يستوردها من البلاد الأجنبية ، ويبيعها للناس ، أشارت إلى فرندات البيوت المحيطة بشارع البوتيكات ، قالت: خيبة والله ، الناس تشترى ، فى كل فراندة قفص من عند تيمور ! توجهت إلى الجميع وقالت إن تيمور يجيء بالطائر ، ويشق لسانه بالطول ، والموسى تعمل بلا قلب ، ثم يتكلم ، فيتكلم الطائر ، يتعلم النطق ، ويكون له صوت مثل صوت تيمور .

تيمور تجرأ وقال لها : تعالى أشق لسانك . وهى كأنها تنوح قالت : تجارة مصر وردت على المينا ، بيع واشترى يابو كلام شينة .

" جلال " المتخلف العقلى شقيق فؤاد انسل من بين الصفوف ، ووقف أمام الست أسمهان وأعول : فؤاد مات .. فؤاد مات .. وجهته إلى الجثة .. عند الجثة تربع، يتدلى من فتحتى منخاره شريط يتدفق ، أصفر أزرق ، جذل ، من مخاط يلمع ، ويسيل رواله من فمه المعكوك ، وتبين أسنانه سوداء ، أطاح برؤوسها السوس ، ضحك ضحكة المعتوه حين رأى أخاه .. فؤاد مات ، يكلم الجثة !!

تيمور جذبه من ياقته ، وأمره أن يبتعد ، وجلال ظل يمانع ، وعفر نفسه فى التراب ، زعقت عطا تنادى على تيمور أن يتركه ، يفتش فى جيوب فؤاد ، فإذا وجد أى شىء يأخذه قبل أن تحضر الشرطة .

الست أسمهان كانت سوف تساعد فى هذا ، إلا أنها لمحت " عصمت " يخرج من بوتيك ماجستك ، نادت عليه ، وحينما وصل ، قالت له : هيه .. سليمة ؟ وهو قال قرصة صغيرة ، وسب النسوان ، ربما كن السبب فى بلوة تأتيه ، وتنهد ، وتضاحك ، قال إن خلقة النسوان لا يصيبها عطب ، لأن أشياءهن جوا أجسامهن ، أما الرجال – وغمز بعينه – الست أسمهان هرشت أعلى أنفها ، ثم أمسكت بكتفه، وسألته : كنت فى بوتيك فؤاد ؟

عصمت حاول التملص من مسكتها ، وهى ضمته إلى صدرها ، صرخ فى وجهها: وأنت مالك ؟

الست أسمهان أخذته إلى جانب وركها بذراع ، وضغطت على ظهره بين أكتافه ، فانزرع برأسه إلى أسفل ، صاحت : يا حرامى .

الحلقان والاساور والمشابك والمحابس والزراير و الخواتم من كل صنف ، تكومت، كومة من المشغولات الذهبية تلمع ، حول الجثة لمعة الذهب ، كانت تتساقط من جيوب عصمت، ومن بين طيات ملابسه .

أصحاب البوتيكات والناس ضربهم صمت ، وتعلقت أبصارهم بهذه الثروة الذهبية.

الست أسمهان تقدمت من جلال ، بعد أن جمعت المشغولات ، حملتها بين كفيها، و أسلمتها كلها فى حجره .

المتخلف نظر إلى مافى حجره ، وتلون وجهه بخوف مقيم كأنه لن يبرح ، صرخ جلال ، ونفض جلبابه نفضة واحدة ، فذهب الذهب إلى كل ناحية  ، وجرى الناس إلى كل ناحية .

ورأيت أن المعركة قد بدأت عند الجثة فى شارع البوتيكات من غيط القبايبة ، ثم انتقلت إلى بوتيك ماجستك نفسه ، وانتهت عند الجثة مرة أخرى ، وظهر فؤاد الميت عاريا ، وخرقة من قماش سترت بها امرأة سوءته ، وفى قدم من قدميه فردة جورب ، والقدم الثانية حافية.

البوتيكات أغلقت أبوابها ، والبيع والشراء انعدم ، وهبة الريح كانت سطحية ، تكنس تراب الشارع ، وتحطه على الجثة ، وجلال المتخلف ينحنى ، وأسمع نشيجه الآن ، قلت : لى عينان ، فهل تكذبان ؟! وجاءنى صوت يقول : لك عينان؟ قلت : لى عينان والفرد يخطىء .. قال الصوت : لك عينان ، فهل تكفيان ؟ زعقت أسأله : الجماعة تخطىء ؟!

قال : إمش وتفرج .

 

 


امش وتفــــــــــــرج



أضف تعليقا

اضيف في 10 ابريل, 2008 09:04 م , من قبل badd
من مصر said:

الأستاذ الكاتب محسن
فعلا لم أحصل على قدر من الصبر لكي أعرف أن تتمة العمل الأدبي هنا ولكن فتشت لأبحث عن بديل فوجدته ووجدت باقي الثمار الذي قرأتها هنا وأحتاج لأن أقرأ العمل مرة أخرى حيث أراك في مبتدأ القول تمتلك وضعية بنائية سردية خاصة بك وأراك فيها متميزا غير مختلطا بأصوات الآخرين في ساحتنا الأدبية وأرى أشخاصك لاعمق فيهم ولكن العمق جاء من خلال حركة الأحداث والدراما وأضفت على الشخوص ما لم يكن فيها وهذا أيضا أعجبني في روايتك القصيرة إضافة أن الأحداث وبساطة تكوين الشخصيات لم يحرما الرمزية من التواجد وإثبات حقه في الظهور
هذه قراءة متعجلة"انطباع أولي " لكنني معجب بحروفك جدا

اضيف في 11 ابريل, 2008 07:09 ص , من قبل mohsenyonis
من مصر said:

badd
تحياتى
الآن يمكن لى أن أرى نورك الساطع هنا ، وأنت تتناول أحد فصول رواية نشرت فى كتاب عدد صفحاته 280 صفحة من القطع المتوسط ، ولكنك استطعت أن تضع يدك على عمق هذا العمل ككل .. سعيد بتواجدك وأنك تقرأ الأدب مثلما تتعامل مع ما هو سياسى ، أحييك ولا تمتنع عن تواجدك معى هنا ..
تقديرى واحترامى لشخصكم النبيل



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية