الكاتب
فى القص ليس ثمة قيود
جزء من رواية ( حكاية عن الألفة )
 
 
خفة الكشف :

فى زحفه فوق الجدار الأثرى طالعه وجهان ينظران إليه ، سمع دقات قلبه ، ووضع قبضة يده على صدره ، أتريد إسكات قلبك يا بهلوان ؟! كان الحجر ثرثارا ، قال البهلوان : " أعرف القطفة المسروقة وروعتها ، وأعرف وجه الرجل " .. كان الوجهان أحدهما لعم له ، والوجه الآخر لامرأة لا يعرفها ، حينما تأملها غادره اعتقاد ظل يتداول فى ديامو عن نهارات عمه النقية التقية الذى يحبس فيها برقه ورعده ومطره ، ليدخل لياليه مسقطا كل ما تبقى منه على صيد واحد ، كانت الخلفيات الرجراجة والصدور العامرة سقفه ولحافه وأغانيه ، ولاشىء فى الحياة إلا الزهزهة والمنجهة أما تراث الظل فموزع بالعدل بين نهاره وليله ، هذا رجل كان مستورا ، صاح البهلوان عطية : " أراها قبيحة .. عيب على صيتك ياعمى !! "

عقب جملته التى أفلتها لسانه دون مراعاة لمشاعر أو لياقة ، تحول وجه المرأة إلى وجه يعادل وجه الجميلة ، رفع حاجبيه ، كانت المرأة تتلوى بين أحضان العم : " مشكاتك لا تنطفىء " فيقول : " إنه زيتى هو السبب .. "

يتحول الوجه إلى القبح وهى تقول : " أنا أحب جمرك وأحب أن أحترق "

البهلوان عطية المشابه لعمه فى بعضه وليس كله طنت أذناه ، ودمعت عيناه ، وانتعشت أعضاؤه ، كانت أحجار الجدار الأثرى تجأر بأنات ، وهمسات كلها فى وقت واحد .. كانت الوجوه تتجلى بعرى متعرق ، وأنفاس لاهثة .. هل يعرفهم البهلوان ؟ كل حجر يقلقله من مكانه شبق رجل .. كل حجر ينز بعسل أنثى ، تدلى فك البهلوان وهو ينظر هنا وهناك ، فكر أن يخلع سرواله ، وحين هم وجد نفسه بلا سروال وتذكر أنه عار تماما من غير أى ستر : " يا خرابى .. يا خرابى !! "

حيثما ولى وجهه حاصرته الأجساد متحركة فى الحجر  ثم فى خطفة تخطو من الحجر إلى حيث يوجد البهلوان عطية ، وامتلأ المكان من حوله بعشاق ومعشوقات ، وكان الاحتضان والمس والإيلاج والمص واللحس .. رجل وامرأة .. امرأة ورجل ..

كان البحر هناك خلف الجدار وكانت النساء يحزم وسطهن الماء يأخذن منه ، يصببنه على نهودهن يدلكن ، وينزلن لأسفل حتى بطونهن ، كانت النساء رائعات الحسن وهن يفعلن ، وكان الماء غير منحسر بل كان يأتى إليهن كلما دومت أصوات الارتعاشات فى تتابع معلنة بداية فعل تتلوها بداية لفعل ، كان البهلوان عطية يدندن بلحن هامس : " الماء الماء .. الرحم الرحم .. أين يكمن الجمال ؟ فى الماء أم فى الرحم ؟! " أخرجت الوجوه كامل رقابها من الأحجار على طول وعرض الجدار حتى أن البهلوان أصابه هلع ، وهى توجه إليه اللوم فى نبرة عنيفة : " هل تسأل وأنت فوق جدار أثرى حفظ ما حفظ وتجمد فى مكانه ؟! .. اذهب الآن اهبط عن الجدار "

أصاب حلق البهلوان تسلخ وهو يصرخ : " أنا ابن من بنى هذا الأثر "

كانت الجملة تتجمد فى الحجارة مع اختفاء الوجوه ، التى كان يقف فى مقابلها ، وطالعه بعدها صمت ثقيل : " أنت ابنه ، ولكن من أنت ؟ " ظل السؤال معلقا فى الفراغ ، كانت الأيدى تفك شفرة من قام بنحتها فى الحجارة ، فتخرج مندفعة إلى ذلك الفراغ ، قابضة على جسد البهلوان عطية .. كان يؤخذ إلى صلابة الحجارة بعنت متعمد .. فى ذهوله فتح فمه دون أن يخرج صوتا ، لطس بذراعيه ، ودخل فى الحجارة جميعها .. نفس الجسم ، ونفس الهيئة فى كل حجر من أحجار الجدار الأثرى .. المؤخرة أخذت نصيبها حتى فتحتها ، تملس الأيدى على الأبزاز تتمهل عند بروزها ثم تقرصها ، كانت صرخات البهلوان عطية دعوة لاستكمال حلبه ، والتفرس فيما يملكه واللعب به .. محاولاته فى الذود عن مكامنه كانت فعلا ماضيا ، وهو فى الأحجار قد عدم حاضره ، كان الرجل والمرأة يميلان عليه وهما يقولان له : " اثبت فى الحجر هذا تاريخك "

تجاوبت ضحكات من حوله مع الضحكات التى تأتى من أسفل الجدار حيث النساء اللاتى يسبحن الآن على ظهورهن فى ماء البحر ، ونهودهن مشرعة لأعلى ، قال معاتبا : " هل أنتم سعداء بما فعلتم ؟! "

يأتيه الجواب وهو يلفظ من الأحجار جميعها : " أحيانا السعادة لا تكفى "

حينما وقف على قدميه زفر أخيرا وهو يقول : " ياااه !! أما حجارة منيوكة صحيح  .. أنا الآن آمن  "

كان صوت يقول له متهكما : " ومن أقنعك أن أهم شىء فى الحياة هو الأمان يا بهلوان؟! "

 

كانا ندين فى غواية :

فوق الجدار الأثرى استلقى البهلوان عطية على كف اضطراب ، لفظته الحجارة وسكتت عن أفعالها ، وتدثر البهلوان عطية بحزن خدره ، وتزمل بزفرات هامسة : " قذفوا بى عاريا إلى دنيتى الأرضية .. من يسكنون تحت الأرض يعاقبوننى من أجل ما اقترفه عقلى وفعلى !! "

هب من استلقاءه لأن رجلا آخر يستلقى بجانبه على الجدار ، يعطيه ظهره ، كان الرجل يقول : " قلبك شرق ، وعيناك غرب .. فخذ ما تشاء من اتجاه "

كان الرجل يتسربل بعباءة سوداء تغطيه فلا يبين منه أى عرى ، لم ينتبه البهلوان لكلمات الرجل ، وامتلكته غواية ستر عريه بالعباءة ، رفع الرجل ذراعه عاليا ، وتحركت سبابته فى الهواء : البهلوان عطية أنت .. بعتُ الهُدي بالضلالة ِ.. والحقَّ بالكذب ِ ..والحبّ بالكرب ِ.. والأمن َ بالرعب ِ .. والزيت َ بالوهم .. يا بن الجدار لا أحد من مدمنى التخلف يدرك سبب إدمانه .. هل تعى ما أقول ؟  

حينما قفز البهلوان عطية ، كانت يداه تمسكان برأس الرجل ، محاولا إخراجه من عباءته، كانت زنابير تطن وتلسع الهواء بإبرها فتنفجر بالونات غير مرئية ، وهداهد تخون ، وخوار لعجول تذبح ، ومطر من حقد فى هطول مستمر ..

 صرخ البهلوان :" أنت من ؟! "  

أنا البهلوان عطية .. أنت الذى من أنت ؟!

أنا البهلوان عطية ..

كان البهلوان عطية يقبض على شبيهه ، ووجد فى يده حجرا أصم ، ولا شىء !!

 

ماشاء الله  تعود للتطفل :

اكتمل البهلوان عطية بغيظ أصاب رأسه بصداع ، ودار بعينيه : هل أظل ملعونا بعريي ؟! أية ورطة أنا مربوط بعقدتها ؟! عند هذا رأى دودة أرض تثقب حجرا من حجارة الجدار ، وتخرج منه  للهواء ، تلوت فوق الحجر لحظة ، ثم عادت تثقبه ، وتدخل إليه من الثقب الذى ثقبته وتغيب عن عينى البهلوان عطية ، ظلت دهشته على كف حيرة .. دودة أرض لها قوة لتخرم حجرا ؟!

كانت الدودة قد ثقبت خمسة ثقوب فى آخر مرة نطقت بجملتها : " كنت أعلم أن بعض العبث جميل .. كما أن الفضاء واسع حتى أنه لا يجعلك تستطيع الاختباء " 

انحنى نحوها البهلوان عطية ، قالت : " أهذا جدار الحجارة ؟ .. أسمعهم يقولون الجدار الجدار .. أهو جدار يمنحك جناحين لتطير وتعلو أم جدار يقف سدا أمام وجهك فتخبو روحك ممنوحة للعدم ؟!! "

عند جملتها الأخيرة ضحكت وهى تتلوى فوق الثقوب الخمسة ، ورددت متأملة : " إنهم البشر !!  لماذا يقيمونها ؟! سوف أعرف بعد لحظة .. "

مد البهلوان عطية إصبعيه السبابة والإبهام ليمسك بها ، أمسكها ، فى اللحظة التالية لم يجد بين الإصبعين إلا الفراغ ، صاح : " أعرفك .. أنت .. "

كانت الضحكات يتجاوب صداها فى المكان ، والصوت طبل يؤذى أذنيه : " على دفء جسدِك اشتهيتُ أن أموتَ ، ولكنى لن أموت مرتين .. "

 جذ البهلوان عطية على أسنانه : " لن أقرأ الفاتحة ، فربّما تمتلىء راحتاى برماد احتراق جسدك .. "

كانت الثقوب الخمسة يندفع منها رماد أسود يعمى عينيه !! وصوتها يئن : أخى رحيق .. أخى رحيق .. أخى رحيق .. أنت أغويته .. أعرف .. أنت أغويته بالصعود إلى دنياك ..  

 

ما قيل من البهلوان أو ماشاء الله كأنه جملة واحدة :

- " لا شىء يَحمِلني إليكِ سوى رغبتى الشبقية  وَشبقى جربك وجرب منحك وعطاياك التى ليس لإنسية على ديامو أن تمنحه أو تعطيه أنت تختصرين ِ الروحِ في الجسد أنت نار تنفجر فى برق وأنا فى سبيلى لأجاهد الطلوع نحو ارتشاف عسل بطنك وثدييك كانت الروحَ تفلتُ منْ كونها الإنسى تمضي إلى ملكوتِها العلويِّ كأن بحر ديامو لا يتعكر صفوه بمَوجٌ أو زَبَدْ.. من الذى لوننى بلون غير لونى الأرضى ؟! من الذى ؟! هو أنت وأنا ندان أم شهقة بين متعتين فمنك أهرب إليك أضيع فأفتش عنى أجدك من يحملنى إلى بيتى ويعود بى عاريا فوق الجدار الأثرى لماذا أجد نفسى عاريا فوق الجدار ؟! لماذا لا يكون وجودى فوق العلاية مثلا، أو عند منزل بحر ديامو ؟! كل هذا تهجيص فالتراث الذى أرضعته من أهلى أستطيع أن أقول الآن أنه أصابع من خناجر جاهزة للطعن فى كل اتجاه ما الفضيحة التى تبغونها لى؟ عاريا تظهر سوءتى ؟! بالمناسبة لماذا لا تبكى حجارة هذا الجدار وتكتمل صورة المجازى ؟! لابد لهذه الأحجار من البكاء فقد حاق بها الزمن وهى لا تعى أنه وغد أزلى ربما لو بكت اكتسيت أنا عريا آخر له معنى آخر أنا كنت زوجك إنسى تزوج أنثى من العفاريت أدخل فى  وفرة لون عينيك تنسلين من بين شفتى تنامين في دمي استيقظ على ثدييك وتداعبين شعر رأسى كل رجال جزيرة ديامو تزوجوا من إناث عشيرتك لماذا تغطى أجسادهم أقمشة من قطن أو صوف وأنا أرتدى جلدى ؟! أخوك رحيق يعيش فى ديامو ، كما كنت أعيش معكم هو الذى اختار أنت دائما تتهميننى بأننى أغويته هل الخطأ هو تكرار الصواب ؟! "

- " ياسمين  قلبى تفتح على ساحلٍ بحر فى جنوب شرق آسيا فخرج ودخل منه إليه سعار عشق، وأسألُ نفسى ومازلت أسألها ما الحبُ ما كنهه وجوهره بأى أرض تنبت رائحته وبأي سماءٍ يتلون بألوانه ؟! كيفَ يعزف أحلامه حلما يتبعه حلم من نوتة العسل فعانقتك نهارا كاملا وجزءا من ليل رأيت نجمة فى سماء الأرض تتعرى من لمعانها لم أهتم وكان على أن أهتم  لأن حفيف قبلتك لشفتى نبهنى إلى ظلى وظلك المتعانقين فابتسمت ولثمت أنت ابتسامتى بابتسامة وسعت وجهك الذى تمنيت أن يكون صلصالا فأنحته على تلك الوسامة فتسقط الشيخوخة خارج وجودك لأنعم بقصة شعبية عن البهلوان عطية الإنسى وماشاء الله الجنية ويكون عنوانها " عاشق ومشتاق " العاشق كأنه ينهل من دنان نبيذ فى ليلة يضيئها خمسون قمرا ، والمشتاق يتقن اصطياد ألحانى تذهب إلى أذنيه فيطير     

وهى تختبىء تحت ملابسه تدغدغه فلا ينام إلا راضيا شبعان أنت الذى على السفينة أغويتنى لأنك فعلت أمرا وكان على أن أستسلم ، عيناك كانتا تبحثان عن عينى التقت العيون فملكتنى أنت أغويتنى فهل الخطأ هو تكرار الصواب ؟! "

 

 


جزء من رواية



أضف تعليقا

اضيف في 09 ابريل, 2008 01:55 م , من قبل قفشتك
من مصر said:

العم الجميل محسن حكايتك عن الألفة قرأتها كاملة وكتبت عنها كما تعلم وانا بصدد جمع ما كتبته عنها ونشره على هذه المدونة ....دمت رائعا ماهر

اضيف في 11 ابريل, 2008 07:17 ص , من قبل mohsenyonis
من مصر said:

ماهر حبيبى ( أبو مريم ) صباحك عسل
أعرف أنك قرأت هذه الرواية وتفضلت بإحياء ندوة - وقائعها مدونة هنا - كانت أكثر من رائعة .. أنتظرك وأنتظر ما كتبته أنت عن هذه الرواية فهو حديث أكثر من ساحر ..
نورتنى يا غالى



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية