الكاتب
فى القص ليس ثمة قيود
ندوة نقدية حول رواية " حكاية عن الألفة "

ثلاث ساعات من المناقشة قضاها عدد من الأدباء في جمعية مصر للثقافة والحوار بدمياط لمناقشة رواية " حكاية عن الألفة " للكاتب المعروف محسن يونس . بدأت الجلسة السابعة وانتهت في العاشرة والربع من مساء الجمعة الموافق 7/1/2007.

 

أدار المناقشة وقدم المداخلة الأولى القاص ماهر الشيال الذي طرح رؤيته للنص بما فيه من أبعاد فلسفية ومناخات معرفية للكشف عن ثيمة " العفاريت" التي تحتل بؤرة النص ، ووجد أن الكاتب يقدم شهادته عن الواقع بالرغم من الحس التاريخي والتوثيقي بالرواية.

عماد السبع كان موفقا في تقديم طرحه النقدي فقال إن العمل يطرح عدة إشكاليات منها الوعي المجازي والوعي الفني بمعنى أنه قد حاول أن يقف على نقطة ارتكاز واضحة كي يكشف أغوار النص فوجد هذا النص المركب المتدفق يعلن عن صعوبته في الكشف عن عناصره للناقد كي يمسك بمقولات نهائية وناجزة . إن النص يبحث عن قاريء خاص ، ومجموعة المفردات الخاصة به مثل البهلوان عطيه والربان الانجليزي والعفريتة الأنثى والأم والعم حسن هي مفردات يمكن للقاريء أن يسقطها على واقعه. نحن ندخل عالما ليس أسطوريا . وأنا أرى أن الاقتباس المنسوب لفاروق خورشيد في بداية العمل لا يتمشى مع نسيج النص فما قرأناه ليس حكاية شعبية بل هو نص حداثي حقا. هنا سياق متقدم جدا يبدو جليا على مستوى الوعي المجازي.

نقاط ارتكازه ليست موجودة لننطلق منها للبحث عن تفجير اللغة مثلا. هو حداثي في لغته خاصة عندما نتأمل ضمير الأنا وضمير المخاطب . العملية السردية لا تسير بشكل متوازي وهذا يحدث مع تداخل الأحداث, وأنا أظن أن الصوت الجمعي تطور طبيعي للصوت الفردي لأنه قد أتى من التراكم الكثيف وهو ما أعده امتياز في أسلوب الكتابة .

هو أيضا ليس أدب واقعية سحرية وإن كان يقترب منها فالواقعية السحرية تجد فيها حكايات الجدات وأيقونات مختلفة هي من عناصر الأدب الشعبي هناك في أمريكا اللاتينية . هناك يتجه الكتاب لفيض الحكايات القديمة ليستخلصوا منها الوعي المجازي في صيرورته التاريخية ولكن في إطار غموض ما.

ميزة هذا النص انه يقدم لنا مثل هذا السحر اللغوي والمشهدي في صورته العربية . إحدى ملامح تلك الكتابة أنه يقتطع جزءا معينا ومن شظاياه يحدث التدفق لعشرات الحكايات الافتراضية حيث تنطق الحواس .

سمير الفيل في مداخلته المطولة رأي أن النص يحتشد بعديد من العناصر لكنه توقف أمام تلك الرؤية الجمالية الباذخة التي تطرحها الرواية فالكاتب يمتلك مشروعا سرديا يعمقه من عمل لآخر لكنه في كل الأحوال ينتصر لجماليات جديدة ويمزج ما بين الأساليب المختلفة ليقدم لنا نصا مترعا بالمتعة والرهافة والجمال .

محددات أسلوبية وأطروحات فكرية مع عناصر في البناء وجدتها في الرواية منها ما يلي :

ـ نصاعة اللغة التي تقوم بدورين . الأول يخص عملية توصيل المعنى والثاني جمالي يهتم بالوشي والتنميق وترقيق الصياغات .

ـ هناك اهتمام كبير بالأمكنة وهي تحدد أجواء الأحداث فالجزيرة والبحيرة يشتبكان في بعث الدفء لأوصال كل حدث على حدة والجميل أن الكاتب لم يستحضر مكانا غفلا بل كان مكانه محملا بإرثه التاريخي وبعده الجغرافي في آن.

ـ اعتمد الكاتب على البنيات الصغرى للسرد التي تنبثق من بنيات كبرى وهو في هذا قد استفاد من تقنيات " ألف ليلة وليلة " بل وطورها لتكون اكثر معاصرة .

ـ ينشأ الكاتب أسطورته الخاصة بالبحث عن عوالم غرائبية وإدماجها فيما يقع من أحداث واقعية بالجزيرة التي هي مجال عمله.

ـ رغم أن عوالم الجن والعفاريت هي أقرب للفنتازيا إلا أن الكاتب تمكن من أن يجعل الأحداث تشتبك بالواقع ولا تغادره وتلك نقطة تعتمد دون شك على حرفة الروائي وخبرته.

ـ لا يمكن أن نغض الطرف عن الانتقالات السهلة المرنة الطيعة بين مفاصل الرواية وهو في ذلك يتتبع الذائقة الشعبية التي يمكنها أن تجاور بين أحداث مختلفة ومن أزمنة متفاوتة.

ـ ثراء المخيلة الذي يجعل من تأمل المشاهد واجتراح آفاق رؤيوية تتسع لحركة الإنس والجن ، وحوارالشجر والأثر بل الطيور والحيوانات في تداخل مدهش ومثير.

ـ التطرق لمشاهد تؤرق الإنسان العربي كفكرة " العـُـري" التي يتم التركيز عليها بقوة في العديد من المشاهد وهي أحيانا تبحث عن عري أهل الجزيرة وبالأخص عري البهلوان عطية ثم تكشف في مرات تالية عن عري النساء المستحمات في مياه الجزيرة ، وتمضي في هذا الاتجاه لتعالج نفس الفكرة مع عـُـري العفريت " رحيق " .

ـ بالرغم من تقسيم الرواية لصوتين أحدهما فردي والآخر جمعي فقد وجدت تفصيلات أكثر دفئا ودلالة في الصوت الجمعي الذي تحرر كثيرا من اللغة المعروفة للكاتب وهو بهذا فتح آفاقا للغة ذات مذاق حريف.

وتوقف الفيل أمام مسحة الكاريكاتورية والسخرية التي تؤطر النص ووجدها تعود في المقام الأول للذائقة الشعبية التي تجعل الناس يمارسون حياتهم وسط أجواء بهجة وتوق للعيش بروح مشرقة.

وأكد على فكرة نقد السلطة بالمشهد الذي جاء شديد الغرابة حين تبتلع الصخرة أجساد المخبرين وهو نوع من الحل الفني ضد سطوة السلطة التي حاولت القبض على العم حسن الذي ألف قصيدة ضد الحكومة.

وتوجه الناقد لنقطة رآها محورية في الرواية وهي طقوسية الحدث وضرب مثلا ببنت البنوت التي حملت المشيمة لتلقي بها في البحر وخلال عودتها راحت ترقص وتغني والدلالة هنا جنسية فالبنت تريد ما يريده الولد بالضبط لكنها تعبر عن ذلك بالغناء والرقص وإلقاء كلمات غامضة بغية التواصل مع الذكر.

ورأى الفيل أن لحظة إفاقة البنت من " السحر المرصود " جعلها تغمغم : " أنا مسلوبة والله" وهي الجملة المفتاح التي جعلت أهلها يتجاوزون عما رأوه خطيئة من ناحيتها وهنا تلمح تواطؤ الجماعة مع رغبات الفرد أحيانا .

وتطرق الناقد للأسماء بالنص ووجد أن الكاتب يختارها للدلالة على صفات ومفاتيح للشخصية كما نجد في " حبيبة " و" مراد" .

ووجد الناقد أن من سمات " ديامو" مدح الشيء وذمه وهذا من سمات التفكير الشعبي الذي يسمح بوجود الشيء ونقيضه في نفس اللحظة وانتهى الناقد إلى أن الفقرة المعنونة ب" الخلاص من دم السحرة " فيها تلك السمة ف" الدكتور برنوفة " شخصية تقدم أحيانا في قالب ذم ثم يتم التعبير عنها بصورة حسنة مقبولة في مقطع تال ، وهي خصيصة موجودة منذ القدم في تفكير الشعوب عندما يسقط الناس مشاعرهم الشخصية على شخصيات بعينها فيثقلونها ذما فيما تدور الساعة دورة كاملة فيتحول الذم مدحا ، وهكذا.

واختتم الفيل مداخلته بقوله إن الرواية تحمل عنفوان الكتابة وهي تعبر عن كثير من القضايا العصرية وإن كانت بدايات المشاهد تفيض بعتاقة ما إلا أن العين المتأملة يمكنها أن ترى فيما يحدث أمامها من حكايات إجابة عن أسئلتها المحيرة.

الناقد محمد الزكي في مداخلته أكد على أن هذا النص هو " آخر قطفة في بستان محسن يونس " ، فاللغة قد استقامت والأحداث تفيض بالدلالات وهو يعتقد أن أي ناقد لا يمكنه أن يستخلص رؤية نهائية للرواية من أول قراءة ، وهذه لمحة من ملامح الأعمال الكبيرة.

وعاد الزكي ليؤكد أنه من الضروري أن ينفعل الناقد مع العمل الأدبي لدرجة التماهي وإلا صارت هناك فجوة بين النص ومنتقده.

وأضاف : هذا النص به زخم هائل حيث أن الكاتب في كامل عنفوانه الفني ولا يمكنك أن تحاصر كل هذا البهاء بالنقد فالمهمة تبدو مستحيلة .

وسأل مدير الجلسة ماهر الشيال : هل معرفة الناقد بالكاتب تفيده في عمله أم تعطله؟

وهو سؤال وجيه فعلا، وكان رأي الزكي إن معرفة الناقد بمسيرة حياة الكاتب تفيده في الوصول بسهولة لمرامي النص إلا أن الشيال قدم رأيا نقيضا إذ وجد في هذه المعرفة قيدا على انسياب النقد وتدفقه لأنه ربما يقدم رؤية قبلية لا تفيد النص بل تضره ضررا جسيما.

القاص هشام عبدالصمد قدم مداخلة موجزة مفادها أن النص الروائي الذي نناقشه يقدم مستويات عدة من التلقي . يدخل فيها ثقافة الناقد ومعرفته بالكاتب واطلاعه على الآداب العالمية ، وأن الحكايات التي قرأها في هذه الرواية قدمت بشكل متقن تدل على خبرة الكاتب.

الروائي محسن يونس قدم مداخلات عدة حول ما دار بالجلسة من مناقشات مستفيضة. لا يمكننا نقل كل ما قاله لكننا سنتوقف أمام أفكار أساسية عبر عنها ، منها :

لابد من إعادة الاعتبار للحكاية ولا ينبغي أن ننظر إليها كشكل قديم ينبغي أن نهجره. فالطفل الصغير يقول لأمه أو لجدته : إحك لي حكاية ، ولا يقول لها انشدي لي شعرا.

مع العلم أن الفن في بداياته اعتمد على الرقص والرسم والشعر ولكن الحكاية الممتعة تتضمن تلك العناصر الثلاثة ، وقد تطورت البشرية اعتمادا على فكرة الحكاية حيث يمكن نقل المعرفة بصورة سلسة ومطوعة .

ويضيف محسن يونس :

لابد أن يكون الكاتب مركز معرفة بمعنى أن يعرف دقائق كل شيء يكتبه وان يلم بمعلومات كافية عن أبطاله : المحامي والطبيب وضابط المباحث ، الصياد والفلاح والحداد ، وإلا كيف يكتب بلا معرفة ؟

هناك فعلا كتابات تجريدية ولا توجد بها خيوط معرفية لذلك تسقط بالتقادم.

عندما تذكر الواقعية السحرية في أمريكا اللاتينية أشعر بالغيظ لأن هذه بضاعتنا وقد استفادوا منها استفادة عظيمة وأنا قرأت أن " بورخيس " كان يضع كتاب" ألف ليلة وليلة " تحت وسادته. ستندهش عندما تجد كاتبا من الأرجنتين يبدأ حكاياته بالقرآن الكريم أو يضمن قصصه كلمات عربية استقاها من اطلاعه على أدبنا القديم.

سأضرب مثلا لما نعانيه من نقص فادح في الكتابات العربية : لم أجد مشهدا واحدا للحظة انطلاق مدفع رمضان وتلك اللحظات الصامتة المترقبة لبدأ الإفطار ، والصمت الهائل الذي تتبعه انفجارات هادئة وسرية داخل البيوت على موائد الإفطار. ألا يدل ذلك على أننا لم نقدم كل ما لدينا من معرفة في سياقاتها الفنية ؟

وتدخل الشاعر محمد التوني ليذكر الحضور برواية " الحاج مراد " لتولستوي فوجد أن الروائيين الكلاسيكيين الأوربيين أنفسهم قد عبروا عن شخصيات عربية أو مسلمة بشكل يدعو للدهشة .

يعود محسن يونس للكلام فيضيف :

ليس فقط حكايات الجدات هو كنز الكاتب بل هناك التراث بكل غناه وتعدديته ملك لي فلماذا لا أحفر فيه وأقدم نصوصا تخصني ولا تخص غيري؟

أقدم معالجتي الجمالية حيث تأتي من داخل هذا التراث الغني المتوهج بالأمثولة والحكاية والطرفة ولكن بشكل فيه ذبذبات العصر.

أنا كتبت عن " العفاريت" لأنني ظللت أبحث عن العفريت حوالي عشرين عاما ، ولم يتيسر لي أن أقبض على عفريت واحد لكن تلك العفاريت موجودة في قريتي وعلى ألسنة الجميع وتشاركنا حياتنا بشكل يدعو للاستغراب. أنا لا أومن بالعفاريت لكنها مبثوثة في الواقع وعليّ أن أستفيد منها وأغوص في عوالمها بشكل فني لا يقدم عقيدة بل يطرح أسئلة.

وانتهت الندوة بعد هذا الاشتباك الحميم بين نقاد تلك الجلسة وبين كاتب النص مما جعلني أنظر للسبورة خلف ماهر الشيال فتأخذني مفردة " الألفة " فأقول بيني وبين نفسي : " أي والله. في الفن الجميل ألفة ربما لاتكون في الحياة بهذا القدر من الرقة والشفافية والعذوبة "

 تابع الندوة وكتبها : سمير الفيل

دمياط في 7/12/2007.

 

 

 

 


حكاية عن الألفة


يطير



أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية